للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

نعود إلى الشاطبي رحمه الله وهو يتميز عنهما - أو بالأحرى عن الرازي , فابن قدامة ليس ببعيد عنه في المنهاج - بأنه لا يوغل في منطقة الحجاج والبرهنة , وإنما يريدها ميسرة بينة , تتجاوب معها العقول والمدارك دون الحاجة إلى جهد يوغلها فيه افتعال المقدمات وابتغاء النتائج , أو بعبارة أدق وأوجز "فلسفة التعقيد التي كثيرًا ما تؤدي بأمثال الرازي يغفر الله له إلى مفازات من التعقيد إن لم تستعسر على العقول غير المهيأة , فلا أقل من أن تثقل عليها ونسوق كلام الشاطبي متتاليًا دون تعقيب , إذ سوف نقف عقب هذا الاستدلال بكلام السلف وقواعدهم موقفًا مستطيلًا لتبيان مدى علاقة تكييف تصرف الإنسان فيما خوله الله من مال بمقتضيات هذه القواعد التي بسطها أئمة أصول الفقه ومهدنا لها - قبل أن نسوق نصوصهم - بما سقناه من نصوص الكتاب والسنة , وفي وقفتنا تلك سنتوجها أيضًا بنصوص أخرى.

قال الشاطبي رحمه الله (١) : في معرض بيان (أن كل تكملة يفضي اعتبارها إلى رفض أصلها , فلا يصح اشتراطها عند ذلك) .

"وكذلك الجهاد مع ولاة الجور , قال العلماء بجوازه، قال مالك: لو ترك ذلك لكان ضارا على المسلمين , فالجهاد ضروري , والوالي فيه ضروري , والعدالة فيه مكملة للضرورة , والمكمل إذا عاد للأصل بالإبطال لم يعتبر , لذلك جاء الأمر بالجهاد مع ولاة الجور عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال عبد الرزاق (المصنف. ج: ٥. ص: ٢٧٨ إلى ٢٨٠ ح: ٩٦٠٧ إلى ٩٦١٩) : عن معمر , عن الزهري , عن محمود بن الربيع , أن أبا أيوب الأنصاري غزا مع يزيد بن معاوية الغزوة التي مات فيها. وعن معمر , عن أيوب عن ابن سيرين قال: كان أبو أيوب الأنصاري يغزو مع يزيد بن معاوية , فمرض وهو معه , فدخل عليه يزيد يعوده , فقال له: حاجتك؟ قال: إذا أنا مت فسر بي في أرض العدو ما استطعت , ثم ادفني. قال: فلما مات , سار به حتى أوغل في أرض الروم يوما أو بعض يوم , ثم نزل فدفنه.


(١) الموافقات. ج: ٢. ص: ١٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>