للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فلم ينف منافعهما مع رجحان إثمهما , والمصلحة جلب المنفعة أو دفع المضرة , ولو أفردنا النظر إليها غلب على الظن ثبوت الحكم من أجلها , وإنما يختل ذلك الظن مع النظر إلى المفسدة اللازمة من اعتبار الوصف الآخر , فيكون هذا معارضًا , إذ هذا حال كل دليل له معارض , ثم ثبوت الحكم مع وجود المعارض لا يعد بعيدًا , ونظيره ما لو ظفر الملك بجاسوس لعدوه , فإنه يتعارض في النظر اقتضاءان؛ أحدهما: قتله دفعًا لضرره , والثاني: الاحسان إليه استمالة له لتكشيف حال عدوه , فسلوكه إحدى الطريقين لا يعد عبثًا , بل يعد جريًا على موجب العقل , ولذلك ورد الشرع بالأحكام المختلفة في الفعل الواحد نظرًا إلى الجهات المختلفة , كالصلاة في الدار المغصوبة , فإنها سبب للثواب من حيث إنها صلاة , وللعقاب من حيث إنها غصب , نظرًا إلى المصلحة والمفسدة , مع أنه لا يخلو إما أن يتساويا , أو يرجح أحدهما , فعلى تقدير التساوي لا تبقى المصلحة مصلحة , ولا المفسدة مفسدة , فيلزم انتفاء الصحة والحرمة , وعلى تقدير رجحان المصلحة يلزم انتفاء الحرمة , وعلى تقدير رجحان المفسدة يلزم انتفاء الصحة , فلا يجتمع الحكمان معًا , ومع ذلك اجتمعا , فدلا على بطلان ما ذكروا.

ثم قدرنا توقف المناسبة على رجحان المصلحة , فدليل الرجحان أنا لم نجد في محل الوفاق مناسبًا سوى ما ذكرناه , فلو قدرنا الرجحان , يكون الحكم ثابتًا معقولًا , وعلى تقدير عدمه يكون تعبدًا , واحتمال التعبد أبعد وأندر , فيكون احتمال الرجحان أظهر. ومثال ذلك تعليلنا وجوب القصاص على المشتركين في القتل بحكمة الردع والزجر , كي لا يفضي إسقاطه إلى فتح باب الدماء , فيعارض الخصم بضرر إيجاب القتل الكامل على من لا يصدر منه ذلك , فيكون جوابه ما ذكرناه , والله أعلم ".

وبعد هذا الكلام الشريف الذي أوضح به كل من الرازي وابن قدامة - على اختلاف طريقتيهما في التبيان والإيضاح - ما قد يعترض من شبهات يلتبس تمييز الحكم منها على أغلب المتفقهة - لا سيما المقلدة - حين يتراءى شكل من شبهة التعارض بين المصلحة والمفسدة وعسر المراجحة بينهما , وانتهيا معًا إلى تقرير مبدأ استفاض بين الأصوليين وإن لم يوفق أغلبهم إلى مثل ما وفقا إليه من تبيان وتحليل وتعليل , وهو أن جلب المصلحة مقدم على درء المفسدة.

<<  <  ج: ص:  >  >>