وإن كانت إحدى الجهتين راجحة كانت المرجوحة معدومة، فيكون الحاصل إما المدح وحده أو الذم وحده، وقد فرضنا حصولهما معًا. هذا خلف.
ثم قال:
"العقلاء يقولون في فعل معين الإتيان به في مصلحة في حقي لولا ما فيه من المفسدة الفلانية ولولا صحة اجتماع وجهي المفسدة والمصلحة وإلا لما صح هذا الكلام ".
ثم قال "في إقامة الدلالة على أن المناسبة دالة على العلية:
"المناسبة تفيد ظن العلية، والظن واجب العمل به، بيان الأول من وجهين: الأول: أن الله تعالى شرع الأحكام لمصلحة العباد، وهذه مصلحة، فيحصل ظن أن الله تعالى إنما شرعه لهذه المصلحة، فهذه مقدمات ثلاث لا بد من إثباتها بالدليل.
أما المقدمة الأولى فالدليل عليها وجوه:
أحدها: أن الله تعالى خصص الواقعة المعينة بالحكم المعين لمرجح أو لا لمرجح، والقسم الثاني باطل، وإلا لزم ترجيح أحد الطرفين على الآخر، لا لمرجح، فثبت القسم الأول، وذلك المرجح إما أن يكون عائدًا إلى الله تعالى، أو إلى العبد، والأول باطل بإجماع المسلمين، فتعين الثاني، وهو أنه تعالى إنما شرع الأحكام لأمر عائد إلى العبد. والعائد إلى العبد إما أن يكون مصلحة للعبد أو مفسدته، أو ما لا يكون لا مصلحته ولا مفسدته، والقسم الثاني والثالث باطل باتفاق العقلاء، فتعين الأول فتعين الأول، فثبت أنه تعالى إنما شرع الأحكام لمصالح العباد.
وثانيها: أنه تعالى حكيم بإجماع المسلمين، والحكيم لا يفعل إلا لمصلحة، فإن من يفعل لا لمصلحة يكون عابثًا، والعبث على الله محال للنص والإجماع والمعقول. أما النص فقوله تعالى {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا}(١){رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطلًا}(٢){مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ}(٣) وأما الإجماع فقد أجمع المسلمون على أنه تعالى ليس بعابث، وأما المعقول فهو أن العبث سفه، والسفه صفة نقص، والنقص على الله تعالى محال.
(١) الآية: (١١٥) سورة المؤمنون. (٢) الآية: (١٩١) سورة آل عمران. (٣) الآية: (٣٩) سورة الدخان.