فثبت أنه لا بد من مصلحة، وتلك المصلحة يمتنع عودها إلى الله تعالى كما بينا، فلا بد من عودها إلى العبد، فثبت أنه تعالى شرع الأحكام لمصالح العباد.
وثالثها: أن الله تعالى خلق الآدمي مشرفًا مكرمًا، لقوله تعالى:{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ}(١) ومن كرم أحدًا ثم سعى في تحصيل مطلوبه كان ذلك السعي ملائمًا لأفعال العقلاء مستحسنًا فيما بينهم، فإذا ظن كون المكلف مكرمًا يقتضى أن الله تعالى لا يشرع إلا ما يكون مصلحة له.
ورابعها: أن الله تعالى خلق الآدميين للعبادة لقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}(٢) والحكيم إذا أمر عبده بشيء، فلابد وأن يزيح عذره وعلته، ويسعى في تحصيل منافعه ودفع المضار عنه، فيصير فارغ البال، ليتمكن من الاشتغال بأداء ما أمره به، والاجتناب عما نهاه عنه، فكونه مكلفًا يقتضي ظن أن الله تعالى لا يشرع إلا ما يكون مصلحة له.
وخامسها: النصوص الدالة على أن مصالح الخلق ودفع المضار عنهم مطلوب الشرع. قال الله تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}(٣) وقال: {خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا}(٤) وقال: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا}(٥) وقال: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}(٦){وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمُ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}(٧) ، وقال عليه السلام:((بعثت بالحنيفية السهلة السمحة)) قال عبد الرزاق (المصنف. ج: ١١. ص: ٢٩٢. ح: ٢٠٥٧٤) أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عمر بن عبد العزيز، قال: سُئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الدين أفضل؟ قال:((الحنيفية السمحة)) . وقال أحمد (المسند. ج: ١. ص: ٢٢٦) : حدثنى يزيد، قال: أنبأنا محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأديان أحب إلى الله؟ قال:((الحنيفية السمحة)) .
(١) الآية: (٧٠) سورة الإسراء. (٢) الآية: (٥٦) سورة الذاريات (٣) الآية: (١٠٧) سورة الأنبياء. (٤) الآية رقم (٢٩) سورة البقرة. (٥) الآية رقم (١٣) سورة الجاثية. (٦) الآية: (١٨٥) سورة البقرة. (٧) الآية: (١٧٨) من سورة الحج.