للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ثم قال (١) : "المسألة الثالثة في أن المناسبة لا تبطل بالمعارضة، والدليل عليه أن كون الوصف مناسبًا، إنما يكون لكونه مشتملًا على جلب منفعة أو دفع مضرة، وذلك لا يبطل بالمعارضة. أما الأول فظاهر، وأما الثاني فيدل عليه وجوب الأول، أن المناسبتين المتعارضتين إما أن تكونا متساويتين، أو إحداهما أرجح من الأخرى، فإن كان الأول، لم يكن بطلان إحداهما بالأخرى أولى من العكس، فإما أن تبطل كل واحدة منهما بالأخرى، وهو محال؛ لأن المقتضي لعدم كل واحدة وجود الأخرى والعلة، ولا بد وأن تكون حاصلة مع المعلوم. فلو كان كل واحدة منهما مؤثرة في عدم الأخرى، لزم أن تكونا موجودتين حال كونهما معدومتين، وذلك محال. وإما أن لا تبطل إحداهما بالأخرى عند التعارض وذلك هو المطلوب، وأما إن كانت إحدى المناسبتين أقوى فههنا لا يلزم التفاسد أيضًا؛ لأنه لو لزم التفاسد لكان لما بينهما من المنافاة، لكنا تبينا في القسم الأول أنه لا منافاة بينهما؛ لأنهما اجتمعا وإذا زالت المنافاة لم يلزم من وجود أحدهما عدم الآخر.

الثاني: أن المفسدة الراجحة إذا كانت معارضة بمصلحة مرجوحة، فإما أن ينتفي شيء من الراجح لأجل المرجوح، أو لا ينتفي، والأول باطل، والثاني أيضًا باطل؛ لأن القدر الذي يندفع من المفسدة بالمصلحة يكون مساويًا لتلك المصلحة، فيعود التقسيم الأول في ذينك التقديرين المتساويين في أنه ليس اندفاع أحدهما بالآخر أولى من العكس. فإما أن يندفع كل واحد منهما بالآخر، وهو محال، أو لا يندفع واحد منها بالآخر، وهو المطلوب.

وأيضًا ليس اندفاع بعض أجزاء الطرف الراجح بالطرف المرجوح وبقاء بعضه أولى من اندفاع ما فرض باقيًا وبقاء ما فرض زائلًا؛ لأن تلك الأجزاء متساوية في الحقيقة ".

ثم قال:

(وعن ذلك نقول: المصلحة والمفسدة إما أن يتساويا، أو تكون إحداهما راجحة على الأخرى، فعلى تقدير التساوي يندفع كل واحد منهما بالآخر، فلا تبقى لا مصلحة ولا مفسدة، فوجب أن لا يترتب عليها لا مدح ولا ذم، وقد فرضنا ترتبهما عليها. هذا خلف.


(١) المحصول القسم: ٢. ج: ٢ ص: ٢٣٢ و٢٤١.

<<  <  ج: ص:  >  >>