في حين أن اعتبارها هدفًا يترتب عنها تلقائيا تجانس المشاعر والتقديرات تجانسًا ينعكس على تكافل الجهود وتكاملها؛ لأن شعور العامل بأن عمله يشمله ويشمل غيره كما أنه مشمول بعدم غيره ينأى به عن كل ما من شأنه أن يحفزه إلى التقصير وإلى المداورة والتهرب، بل ومحاولة الموازنة بين عمله وعمل غيره، فالجميع مدرك مستيقن وهو يبذل ما يبذل من جهد، بأنه إنما يعمل لمصلحته باعتبارها جزءًا من مصلحة غيره.
لذلك كان هدف الشارع من الشريعة تحقيق المصلحة العامة وكفالتها وصيانتها من كل ما قد يضر بها أو ينال منها، بل إن الفقهاء الموفقين - وأقول الموفقين عمدًا - أثبتوا بما لا مجال فيه للمراء، أن الشارع اعتبر المصلحة العامة حتى فيما يختص بالعبادات، وإن كانت غير معقولة المعنى، كما يقول جمهور.
ولعل من أكثرهم توفيقًا في بيان موقع رعاية المصلحة العامة من الشرع الإسلامي أبا إسحاق الشاطبي - رحمه الله - لذلك نسوق فقرات من أقواله في هذا الشأن قبل أن نمضي فيما نحن بسبيله من تبيان طبيعة المصلحة العامة التي تتعلق بها حقوق في المال غير الزكاة.
قال - رحمه الله - (١) : " ... إن وضع الشرائع، إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معًا. وقد وقع الخلاف فيها في علم الكلام، وزعم الرازي أن أحكام الله ليست بعلة البتة، كما أن أفعاله كذلك، وأن المعتزلة اتفقت على أن أحكامه تعالى معللة برعاية مصالح العباد، وأنه اختيار أكثر الفقهاء المتأخرين، وكما اضطر - أي: الرازي - في علم أصول الفقه إلى إثبات العلل للأحكام الشرعية، أثبت على أن العلل بمعنى العلامات المعرفة للأحكام الخاصة".
ثم قال:
" والمعتمد إنما هو أنَّا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد استقراء لا ينازع فيه الرازي ولا غيره، فإن الله تعالى يقول في بعثه الرسل وهو الأصل:{رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}(٢)