وبعد أن ساق أمثلة أخرى من القرآن الكريم والحديث الشريف قال:"وإذا دل الاستقراء على هذا، وكان في مثل هذه القضية مفيدًا للعلم، فنحن نقطع بأن الأمر مستمر في جميع تفاصيل الشريعة، ومن هذه الجملة ثبت القياس والاجتهاد.
ثم قال (١) :
"تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام: أحدها: أن تكون ضرورية، والثاني: أن تكون حاجية، والثالث: أن تكون تحسينية. فأما الضرورية، فمعناها أنها لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت، لم تجر مصالح الدين على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والخسران المبين ".
قلت: تأمل جيدًا قوله: " (إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت وحياة ".
ثم قال (٢) : ومجموع الضروريات خمسة وهي: حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل. وقد قالوا: إنها مراعاة في كل علية، وأما الحاجيات فمعناها أنها مفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تراع، دخل على المكلفين - على الجملة - الحرج والمشقة، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة ".
ثم قال (٣) : وأما التحسينات فمعناها: الأخذ بما يليق من محاسن العادات وتجنب الأحوال المدنسات التي تألفها العقول الراجحات، ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق ".
وسنعود إلى الشاطبي، لكنا قبل ذلك ننقل أقوالًا لغيره، منها ما يتسق مع أقواله، ومنها ما لا يتغاير معها، وإن لم يلتزم نفس منهجه في التفكير والاستنباط على أنه يقرر القاعدة نفسها التي قررها هو.