نخلص إلى القول مما تقدم أن في المال حقًا سوى الزكاة، وأن هذا الحق يختلف عن الزكاة في أن مقداره غير محدد، وإنما تحدده ظروف وطاقات الناس وأوضاعهم المالية، وأن زمانه غير معين، وإنما تعينه الأحداث والتطورات وما قد يختلف على المجتمع الإسلامي أو جماعة محدودة من المسلمين مشتركة في أوضاعها الحياتية من ملابسات وتطورات وظروف تتصل بالتطور الحضاري أو بمقتضيات الأمن الداخلي أو الخارجي سياسيًا أو اقتصاديًا أو اجتماعيًا، وأن أداء هذا الحق أو القيام به يعني " الإنفاق "، وسنتبين فيما بعد وجوه الإنفاق المطلوب وطرائقه، فليس هو بالضرورة وفي جميع الأوقات والظروف التخلي عن المال المنفق بصورة نهائية، إذ قد يكون شيئًا آخر غير ذلك وقد يعود على المنفق نفسه بالخير الآجل في دنياه فضلًا عن أخراه مما سيأتي بيانه في غير هذا الموضع.
حسبنا الآن أن نتبين حقيقة أبرزتها الأدلة القرآنية والسنية التي سقناها فيما سبق على أن الإنفاق الواجب على المكلف ليس منحصرًا في الزكاة، وهذه الحقيقة – وقد سبق أن لفتنا إليها أكثر من مرة – أن ما خوله الله للإنسان من حق الانتفاع بالأرض وما يخرج منها وما يدب عليها من دابة وما يمكن أن تصل إليه يده من جوانب الكون الأخرى مما علت أو سفلت محكوم بالوظيفة التي خلقه الله للقيام بها، وهي خلافته في الأرض خلافة من وظائفها عمله في عمارة الأرض.
وبدهي أن خلافة الله تعني التزام العدل في جميع التصرفات، وأن التزام العدل يعني اعتبار مصلحة الجميع قبل مصلحة الفرد إذا تغايرت المصلحتان وقبل أن تتغاير في حقيقة الأمر، إذ هما متكاملتان عند التقدير السليم والنظر العميق البعيد.
كما أن عمارة الأرض تقتضى تضافر الجميع على إنجازها واستمرارها وتطويرها وصيانتها كل بحسب ما آتاه الله وفطره عليه من كفاية وفهم واستعداد وعلم، تضافرًا يلتزم باعتبار مصلحة الجميع.
وليس مصلحة الجميع، وليس مصلحة الفرد منطلقًا وهدفًا في آن واحد، إذ إن اعتبارها منطلقًا يترتب عليه التوزيع العادل المتساوي لما تطلبه العمارة من الجهد وما تقتضيه من التعاون الصادق الخالص من شوائب الأنانية والمخاتلة والخداع والتغيير.