ونتيجة أخرى نستخلصها من وقفتنا هذه عند كلمة " الصدقة " مفردة وجمعًا ومواقعها من سورة التوبة، وهي أن قوله سبحانه وتعالى في تعيين مصارف الصدقات الثمانية {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} الآية (١) . ليس خاصا بمصارف الزكاة الركن الثالث من أركان الدين، وإنما هو شامل لجميع الصدقات ومصارفها، مانع لصرفها في غير تلك المصارف الثمانية.
ويتراءى لنا أن بعض المناط في قوله سبحانه وتعالى في آخر هذه الآية:{وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ}(٢) يشير إلى ذلك، فما كانت الزكاة وحدها مصدرًا يكفل حاجات الأصناف الثمانية، وخاصة ما هو من حاجات الجهاد استعدادًا له وإنفاقًا فيه، ثم إن قوله سبحانه وتعالى في آخر هذه الآية:{فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ} نص صريح – في رأينا – على أن في المال حقا غير الزكاة، بدليل أن هذه الجملة لا يمكن أن تكون إلا بيانا للحكم الشرعي الذي نزلت الآية الكريمة لإقراره وتبيانه، وكان استهلالها قوله تعالى:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ} الآية (٣) . ولأمر ما جاءت كلمة " الصدقات" جمعًا لم تأت مفردة، وذلك ما ألمعنا إليه آنفًا من أن الحرف الواحد بل الشكلة والنقطة لا يمكن أن ترد في الكلمة القرآنية إلا لمزيد من المعنى أو لتكييف له أو تحديد، وما من أحد يستطيع أن يزعم ذلك.
ونحسب أننا قد أتينا على الكفاية والغناء من الأدلة الحاسمة على أن الزكاة ليست هي كل حق الله في المال، ففيه حقوق غيرها، وعلى أن كلمة " الزكاة " وكلمة " الصدقة " معرفتين أو منكرتين أو جاءت إحداهما مفردة أو جمعًا، لا يمكن حصر دلالتها على الركن الثالث من أركان الدين إلا بقرينة لفظية أو حالية أو محلية أو غيرها من القرائن المعتمدة في الاستدلال، فإذا تقدمت القرينة كانت الكلمة شاملة للحقوق المختلفة في المال، ومنها الركن الثالث من أركان الدين.
وقد نعرض إلى أدلة أخرى فيما يستقبلنا من بنود هذا البحث.
(١) الآية رقم (٦٠) سورة التوبة (٢) الآية رقم (٦٠) سورة التوبة (٣) الآية رقم (٦٠) سورة التوبة