للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قلت: ارتأيت أن أسوق كل هذه الأسانيد من مصادر مختلفة دون أن أتقصى جميع مواردها لغناء ما اكتفيت به منها إثارًا لاطلاع من قد ينظر في هذا البحث على مجموعة صالحة من ألفاظ هذا الحديث وأسانيده، قد نجعله يطمئن إلى ما انتهى إليه رأينا من تحديد دلالة لفظ " الصدقات " و" الصدقة " في مختلف مواقعه من القرآن الكريم، ذلك بأن هذه الروايات المتعددة والمختلفة الألفاظ والأسانيد اتفقت على شيء واحد على الأقل، هو أن " الصدقات " في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ} الآية (١) لا يمكن حصر دلالتها على الركن الثالث من أركان الدين، إذ إن الظرف الذي وقعت فيه حادثة المطوعين والذين لا يجدون إلا جهدهم ليس هو ظرف جباية الزكاة وإن اختلفوا في تعيينه. فقال البعض: إنه ظرف تجهيز لغزو، وقال الأكثرون: إنه ظرف جهد أصاب الناس، فأشفق منه رسول الله صلى الله عليه وسلم على من أجهدهم، وحرض الناس على الصدقة، وأيا كان فهو ليس ظرف جباية الزكاة، وإن وهم بعض الرواة، فحسبه ظرف جباية الزكاة، وهو وهم ظاهر البطلان، فالمتطوع بأربعة آلاف درهم أو بمائة أوقية ذهبًا أيا كان، سواء كان عبد الرحمن بن عوف أو غيره أو كانوا أكثر من واحد تعدد منهم هذا النوع من التطوع، لا يمكن اعتبار ما جاء به متطوعًا زكاة ما يملك من ورق أو ذهب؛ لأنه لو كان كذلك، لكان مجموع ما يملك ستين ومائة ألف دينارًا أو درهمًا أو أربعة آلاف أوقية ذهبًا، وهذا ما لم يقل به أحد، ولا يمكن أن يتصور في ذلك العهد رأس مال يملكه فرد واحد، كذلك الصاع ونصف الصاع الذي جاء به أبو عقيل أو غيره من {لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ} (٢) ، لا يمكن أن يكون زكاة؛ لأن الروايات مجمعة على أن صاحب الصاع ونصف الصاع كان يحامل أو آجر نفسه؛ ليحصل على صاعين من تمر، ترك لأهله صاعًا يتبلغون به، وتصدق بالصاع، وإذا اعتبرنا أنه نصاب الزكاة في التمر خمسة أوسق، فإن مقدار ما يصرف منه زكاة، ويجب على صاحبه أن يأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثين صاعًا إن كان نخله لا يعتمد على السقي، أو خمسة عشر صاعًا إن كان يعتمد عليه، ومن هذا يتضح أن من زعم أن الحادث الذي نزلت بسببه الآية كانت له صلة بالزكاة كان واهمًا، أو كان من رووا عنه واهمين.

نخلص من هذا كله إلى أن كلمة الصدقة مفردة أو جمعًا في مختلف مواقعها من سورة التوبة لا سبيل إلا حصر دلالتها في الزكاة، ومعنى ذلك أن رسول الله صل حين أمر بأن يأخذ الصدقة من {وَآَخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآَخَرَ سَيِّئًا} (٣) وبأن يصلي عليهم، إنما كان ذلك الأمر تشريعًا مستقلًا عن تشريع الزكاة، أنه نمط من العقاب لمن أمسك عن الإنفاق في سبيل الله ساعة حاجة المسلمين إلى الإنفاق، أما عند الخروج للجهاد، وإما قبل ذلك، ولمجرد الاستعداد له يعاقبه ولي الأمر بأن يأخذ صدقة من ماله، ولم يُر في الآية الكريمة تحديد للمبلغ الذي يأخذه ولي الأمر، وإنما ترك لاجتهاده الذي تأثر بالوضع المالي للمعاقب وبمدى حاجة المسلمين في الظرف الذي أمسك فيه صاحب المال ذلك عن الإنفاق، وهذا تشريع يثبت أن في المال حقا غير الزكاة تمامًا، كما يثبت ذلك قوله سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} الآية (٤) . وقوله جل جلاله: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ} الآية (٥) .


(١) الآية رقم (٧٩) سورة التوبة.
(٢) الآية رقم (٧٩) سورة التوبة.
(٣) الآية رقم (١٠٢) سورة التوبة
(٤) الآية رقم (٣٤) سورة التوبة
(٥) الآية رقم (١٨٠) سورة آل عمران

<<  <  ج: ص:  >  >>