فالذين جاء الأمر بأخذ الصدقة منهم أثموا بالتخلف عن غزوة تبوك وعدم الإنفاق عليها، ولم يأثموا بمنع الزكاة، فلماذا يكون قبول توبتهم متعلقًا بأمر لم يفعلوه ولم يأثموا فيه، ولو مضينا مع هؤلاء في قولهم، لوجب تلقائيًا أن نذهب إلى أن هؤلاء المتخلفين كأنهم أثموا أيضًا في صلاتهم، أو كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بأن يجعلهم أمامه، وأن يصلي عليهم صلاة لعلها تشبه صلاة الجنازة أو قريبًا منها، وهذا ما لم يقل به أحد، ولا يمكن أن يقول به عاقل، ولو قال به أحد لرد عليه بما ورد في الحديث الشريف من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول أحيانًا عندما يتلقى صدقة – وليس زكاة – من أحد من المسلمين:((اللهم صل على فلان))
قال عبد الرزاق (المصنف. ج: ٤. ص: ٥٨. ح ٦٩٥٧) : عن عبد الله بن كثير، عن شعبة قال: أخبرني عمرو بن مرة، قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى، وكان من أصحاب الشجرة، قال:((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقة، قال: اللهم صل عليهم. قال: فأتاه أبي بصدقة، فقال: اللهم صلى على أبي أوفى)) .
وذكر المزي (تحفة الأشراف. ج: ٤. ص ٢٨٧) أن كلا من البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه أخرجوا حديثًا بهذا المعنى، فقال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم، قال: اللهم صلى على آل فلان ... الحديث. ومنهم من زاد فيه: وكان أبي من أصحاب الشجرة خ في الزكاة (٦٤) ، عن حفص بن عمر. وفي المغازي (٣٦: ١٨) عن آدم. وفي الدعوات (١٩: ٢) عن مسلم بن إبراهيم. و (٣٣: ١) سليمان بن حرب. فرقهما م في الزكاة (٥٥: ١) عن يحيى بن يحيى وأبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وإسحاق بن إبراهيم، أربعتهم عن وكيع. و (٥٥: ١) عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه. و (٥٠: ٢) عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن عبد الله بن إدريس. د فيه (الزكاة ٧) عن حفص بن عمرو وأبي الوليد. س فيه (الزكاة ١٣) عن عمر بن يزيد، عن بهز بن أسد. ق فيه (الزكاة ٨: ١) عن علي بن محمد، عن وكيع، تسعتهم عن شعبة عنه. ومن أن بعض الرواية ذكر كلمة زكاة بدل كلمة صدقة، فإن ذلك لا يحملنا على الجزم بأن كلمة زكاة هي لفظ عبد الله بن أوفى، فاختلافهم في اللفظ برهان على أنهم أو بعضًا منهم رووه بالمعنى، وليس ما يرجح أن تكون إحدى الروايتين هي اللفظ، ثم إن كلمة زكاة ما لم تدخل عليها (أل) لا سبيل إلى الدعوى بأنها بالضرورة الزكاة المفروضة، كما أوضحنا ذلك في الأصل، وقد أخرجه هذا الحديث فضلًا عمن ذكرنا المفسرون بالمأثور مثل الطبري وأبي حاتم والسيوطي في تفسير الآية موضوع البحث فلتراجع.