للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قلت: وأضيف إلى هذا أن الآية قاعدة تشريعية جليلة لأمر لست أدري كيف أغفله المفسرون والفقهاء أو غفلوا عنه؟! هي أمر ولي الأمر لمعاقبة من يقترف عملًا يترتب عنه ضرر يصيب المسلمين عامة أو بعضهم، لا سيما إذا كان متصلًا بالمال العام أو بمال لجماعة منهم بعقوبة مالية تعوض، إما تعويضًا كاملًا أو رمزيًا، ما يترتب من الضرر على الإثم الذي اقترفه، فليت شعري إن لم يكن مما تدل عليه الآية هذا التشريع، فما هو المناط منها إذن؟ قد يقال: إن الأمر بأخذ الصدقة من أموالهم لا يبلغ درجة الإيجاب، وإنما هو ندب، إذ جاء بعده {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} (١) بيد أن مثل هذا القول على درجة من السذاجة كان يمكن أن تحفز إلى إغفاله، لولا أنه قد يوهم بعض المتفقهة، ذلك بأن (تعليل الأخذ من الأموال) بأنه سبب للتطهر والتزكية ينهض دليلًا على وجوبه لوجوب أن يتطهر المسلم ويتزكى، ولأن وجوب ذلك آكد لمن اقترف إثمًا تجاوز أثره، خاصة نفسه، وأصاب غيره من المؤمنين جماعة أو مجتمعًا ذا كيان. أما الصلاة التي أمر بها ولي الأمر أو هي خاصة بالرسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك المسلم التائب، فالغرض منها أن تحدث سكينة في قلبه، ولذلك جاء ذكر النتيجة المرجوة منها مسبوقًا بأن التأكيدية والفاصلة بينها وبين جملة الأمر بالصلاة، بخلاف بيان مناط الأمر بأخذ الأموال الذي جاء غير مفصول بينه وبين ذلك الأمر بأي فاصل، حتى لكأنه يشكل جملة واحدة، وإن لم يعتبره النحاة كذلك، تبيانًا لكون التطهير والتزكية هي كفاء ما يؤخذ من أموال التائب. على حين أن الصلاة هي شيء يشبه (الجائزة) فهي تنتج سكينة نفسية من شأنها أن تعيد الطمأنينة إلى قلب المؤمن، وهذه الصلاة – وهي مجرد دعاء – عمل معنوي بحت ونتيجته أيضًا معنوية بحتة على حين أن أخذ الأموال عمل مادي، وكفاؤه (الزكاة) ، شيء مشترك بين النماء والبكرة والطهارة والمدح، فهو أمشاج من ماديات ومعنويات.

ومن عجب أن يزعم عدد من المفسرين والمتفقهة أن الصدقة المأمور بأخذها في هذه الآية هي الزكاة التي هي الركن الثالث من أركان الدين، ولسنا ندري ما شأن الزكاة في هذا المجال؟!.


(١) الآية رقم (١٠٣) سورة التوبة

<<  <  ج: ص:  >  >>