على أن كلمة (الصدقة) لم يقل أحد: إنها تختص بـ: (الزكاة) الركن الثالث من أركان الدين، وقد تكرر ورودها في سورة التوبة، وهي كما ذكرنا آنفًا سورة تتضمن التشريع لما يتصل بالجهاد ممارسته والاستعداد له، وهذا برهان ما بعده من برهان على أن الصدقة في هذه الآية الكريمة:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} ليست هي الزكاة.
على أن المفسرين الذين وقفنا على آثارهم – ولا نستثني أحدًا – تواضعوا على اعتبار كلمة (الصدقة) و (الصدقات) أغلب ما يكون سريانها على الزكاة، لا سيما في سورة التوبة، وقد سبق أن أوضحنا ظروفها وملابساتها التي لا سبيل إلى تجاهلها عند تفسير آياتها واجتلاء ما تتضمنه من الأحكام، ومن العجب المذهل أنهم لم يعنوا بالالتفات إلى أمر نحسبه أساسيا في صرف كلمة (الصدقة) و (الصدقات) إلى المعنى المراد منها، ذلك أنها وردت في ثلاث آيات كريمة، منها سورة التوبة جمعًا، ووردت إفرادًا في غيرها في نفس السورة وفي سور أخرى، يقول الله سبحانه وتعالى:{وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ}(١) ثم يقول: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ}(٢) ويقول: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}(٣) والذي نجزم به ولا نحسبه قابلًا لأي جدل أو مراء أن استعمال صيغة الجمع لا يمكن أن يكون مرادفًا لاستعمال صيغة الإفراد، وأن كل حرف في القرآن بل وكل نقطة وشكلة له ولها حظ أساسي من تبيان وتكييف الحكم أو الدلالة على ما أريد من الكلمة أو الآية الدالة عليها.
ولا سبيل إلى دعوى أن كلمة الصدقات جاءت جمعًا للدلالة على تنوع موارد الزكاة (الإبل والغنم والثمار والورق والذهب) وما إلى ذلك، إذ إن هذه الدعوى إن أمكن الالتفات إليها في تأويله تعالى لتعيين مصارف الزكاة {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ}(٤) فما الذي يسوغ الالتفات إليها في تأويل قوله جل جلاله في التنديد على المنافقين وتبيان ألوان من تصرفاتهم الظاهرة والباطنة {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ}(٥) إذ إن الجمع في هذا المقام لا معنى له، ضرورة أن اللمز كان في توزيع الصدقة أيا كان نوعها، ولم يكن مصروفًا إلى الصدقات باختلاف أنواعها في ذاتها ومهما اختلفوا في سبب نزول هذه الآية، وإن كان في ذي الخويصرة التميمي (حرقوص بن زهير أول إمام للخورج) أو في أبي الجواظ، وكلاهما من المنافقين (٦) فإنهم لن يستطيعوا أن يجزموا بأن المال الذي كان يقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين لمزوا في قسمته، ففضحهم الله سبحانه وتعالى في هذه الآية، كان مال الزكاة، وآية ذلك أنه ما من أحد منهم زعم أن الصدقات في قوله سبحانه وتعالى:{الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ}(٧) هي أيضًا الزكاة، وأن اللمز الذي قارفه المفضوحون كان في الأنصبة التي أداها من وجبت عليهم الزكاة، ذلك أولًا: لأن بقية الآية تدمغ بالبطلان مثل هذا الزعم لو حدث، إذ كان وصفًا للمتطوعين الملموزين بأنهم (لا يجدون إلا جهدهم) ، وثانيًا: لأن سبب النزول الذي ذكره المفسرون لهذه الآية يدحض دحضًا حاسمًا كل ادعاء بأن الصدقات فيها يراد بها الزكاة.
(١) الآية: (٥٨) سورة التوبة. (٢) الآية: رقم (٦٠) سورة التوبة. (٣) الآية: (٧٩) سورة التوبة. (٤) الآية رقم (٦٠) سورة التوبة. (٥) الآية رقم (٥٨) سورة التوبة (٦) انظر مثلًا: الرازي التفسير الكبير المجلد: ٨. ج: ١٦. ص: ٩٩ وما بعدها. ومحمد الطاهر بن عاشور التحرير والتنوير ج: ١٠. ص: ٢٣١ وما بعدها. (٧) الآية رقم (٧٩) سورة التوبة