للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ثم قال:

" والذي يغلب على الظن أنه ثلاث عشرة آية من أولها إلى قوله تعالى: {فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (١) نزلت متتابعة ".

ثم قال:

" وهذا ما اتفقت عليه الروايات، وقد قيل: إن ثلاث آيات منها أولها إلى قوله: {قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} (٢) أذن بها يوم الموسم، وقيل: أربعين آية من أولها إلى قوله: {وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (٣) أذن بها في الموسم ". ثم قال:

" فالجمع بينهما يغلب الظن بأن أربعين آية نزلت متتابعة على نزول جميع السورة دفعة واحدة، ليس ببعيد عن الصحة ".

قلت: وهذا ما نرجحه لما تدل عليه الآيات الأربعون من معان وأحكام مما يتعين إعلانه في ذلك الموسم، ومنها آية الكنز، وهي الرابعة والثلاثون، ولأن الآية الأخيرة من الأربعين تتصل بقصة الهجرة، وفيها أكبر إعجاز وتحد لمشركي مكة وتعجيز لكل أحد يمكن أنه ما يزال يفكر في مواصلة تحدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثته.

ثم قال الشيخ ابن عاشور:

" اتفقت الروايات على أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قفل من غزوة تبوك في رمضان سنة تسع، عقد العزم على أن يحج في شهر ذي الحجة من عامه، ولكنه كره " عن اجتهاد أو بوحي من الله " مخالطة المشركين في الحج معه وسماع تلبيتهم التي تتضمن الاشتراك؛ أي: قولهم في التلبية: " لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك ". وطوافهم عراة، وكان بينه وبين المشركين عهد، لم يزل عاملًا لم ينقض. والمعنى أن مقام الرسالة يربأ من أن يسمع منكرًا من الكفر ولا يغيره بيده؛ لأن ذلك أقوى الإيمان، فأمسك عن الحج تلك السنة، وأمر أبا بكر على أن يحج بالمسلمين، وأمره أن يخبر المشركين بأن لا يحج بعد عامه ذلك مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.


(١) الآية: (١٣) سورة التوبة.
(٢) الآية (٣١) سورة التوبة.
(٣) الآية رقم (٤٠) سورة التوبة

<<  <  ج: ص:  >  >>