ونحسب أن الراغب بقوله هذا، جمع فأوعى، وشرح فأغنى، إذ أوضح طبيعة العلاقة بين إطلاق الزكاة على الركن الثالث من أركان الدين واستعمال هذا اللفظ نفسه معرفًا أو غير معرف أو ما اشتق منه في غير ما يتصل مباشرة بذلك الركن، إذ أنه في جميع استعمالاته يدور حول معانيه المختلفة التي يدل عنها بطريق الاشتراك، وهي النماء والطهر المعنويان والحسيان، ثم المدح المذموم منه والمحمود، وما يتفرع عنها من التنمية والمباركة والتطهير، فوضح من كل ذلك ومما تقدم من كلام اللغويين أن استعمال عبارة:" زكاة ماله " في بعض الروايات و: " حقه " وما شاكل ذلك في روايات أخرى للأحاديث المتصلة بالمال وما يجب على العبد في التصرف فيه، ليس منحصر الدلالة على ما له علاقة بالركن الثالث من أركان الدين، بل يشمله ويتجاوزه إلى غيره من التصرفات المندوب إليها، مثل الإحسان إلى ذوي الأرحام والصدقة على الفقراء والمساكين والواجبة لطارئ ظرفي، مثل نفقات الجهاد ونفقات الاستعداد له وغير ذلك مما سنوضحه في موضعه من هذا البحث.
ولعل ما أوضحناه ينهض برهانًا حاسمًا على بطلان دعوى نسخ بعض الآيات المتصلة بالكنز أو الصدقة بآيات الزكاة، وهو ما تعلق به بعض المفسرين كعادتهم، إذ يأرزون إلى دعوى النسخ، كلما تراءى لهم ما يحسبونه تعارضًا بين بعض الآيات أو بعض الأحاديث أو بين آيات وأحاديث.
كما أنه برهان حاسم على أن كلمة (زكاة) معرفة وغير معرفة ومشتقاتها، لا تنصرف في مواردها من القرآن الكريم إلى الركن الثالث من أركان الدين إلا أن تصرفها قرينة من لفظ أوسياق، وهو ما يبطل ما ذهب بعضهم إلى زعمه من أن قوله سبحانه وتعالى:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(١) يراد فيها بلكمة {وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} وبكلمة (صدقة) ما له علاقة بالزكاة الركن الثالث من أركان الدين، وهو تأويل عجب من قائله، وأعجب منه أنهم جمهرة، وفيهم صدور في التفسير، ذلك بأن الآية من آيات سورة التوبة، وهي كما يقول محمد الطاهر بن عاشور (٢) :
" آخر السور نزولًا عند الجميع نزلت بعد سورة الفتح في قول جابر بن زيد في السورة الرابعة عشرة بعد المائة في عداد نزول سور القرآن ".
ثم قال:
" والجمهور أنها نزلت دفعة واحدة، فتكون مثل سورة الأنعام من السور الطوال، وفسر كثير من المفسرين بعض آيات هذه السورة لما يقتضي أنها نزلت أوزاعًا في أوقات متباعدة ".
(١) الآية رقم (٣) سورة التوبة (٢) التحرير والتنوير، ج: ١٠، ص: ٩٧ و١٠١