للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وبزكاء النفس وطهارتها يصير الإنسان بحيث يستحق في الدنيا الأوصاف المحمودة، وفي الآخرة الأجر والمثوبة، وهو أن يتحرى الإنسان ما فيه تطهيره، وذلك ينسب تارة إلى العبد لكونه مكتسبًا لذلك نحو قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} (١) ، وتارة ينسب إلى الله تعالى لكونه فاعلًا لذلك في الحقيقة نحو قوله تعالى: {بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ} (٢) ، وتارة إلى النبي لكونه واسطة في وصول ذلك إليهم، نحو قوله: {تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} (٣) ، وقوله: {يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ} (٤) , وتارة إلى العبادات التي هي آلة في ذلك، نحو قوله: {وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً} (٥) , وقوله: {لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا} (٦) أي: مزكى بالخلقة، وذلك عن طريق ما ذكرنا من الاجتباء، وهو أن يجعل بعض عباده عالمًا وطاهر الخلق، لا بالتعلم والممارسة، بل بتوفيق إلهي كما يكون لجل الأنبياء والمرسلين، ويجوز أن يكون تسميته بالزكي لما يكون عليه في الاستقبال، لا في الحال، والمعنى: سيتزكى. {وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ}

(٧) أي: يفعلون ما يفعلون من العبادة ليزكيهم الله، أو ليزكوا أنفسهم، والمعنيان واحد، وليس قوله: "للزكاة" مفعولًا لقوله: "فاعلون "، بل اللام فيه للعلة والقصد. وتزكية الإنسان نفسه ضربان؛ أحدهما بالفعل، وهو محمود، وإليه قصد بقوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} (٨) ، وقوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} (٩) .

والثاني بالقول: كتزكية العدل غيره، وذلك مذموم أن يفعل الإنسان بنفسه، وقد نهى الله تعالى عنه فقال: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} (١٠) ، ونهيه عن ذلك تأديب لقبح مدح الإنسان نفسه عقلًا وشرعًا، ولهذا قيل لحكيم: ما الذي لا يحسن وإن كان حقًا؟ قال: مدح الرجل نفسه ".


(١) الآية: (٩) سورة الشمس.
(٢) الآية: (٤٩) سورة النساء.
(٣) الآية رقم. (١٠٣) سورة التوبة.
(٤) الآية: (١٥١) سورة البقرة.
(٥) الآية رقم (١٣) سورة مريم.
(٦) الآية: (١٩) سورة مريم.
(٧) الآية رقم (٩) سورة المؤمنون.
(٨) الآية رقم (٩) سورة الشمس.
(٩) الآية: (١٧) سورة الأعلى
(١٠) الآية: (٣٢) سورة النجم.

<<  <  ج: ص:  >  >>