وينبغي أن يلاحظ أن كلمة (زكاة) بدون (أل) أي: نكرة، وردت في القرآن الكريم ثلاث مرات، مرة واحدة تتعلق بالمسلمين، وهي قوله تعالى:{وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ}
(١) ومرتين تتصلان بغير المسلمين: إحداهما في قصة ذي القرنين، وهي قوله تعالى على لسانه:{فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا}(٢) . والثانية تتصل بنبي الله يحيى عليه السلام، وهي قوله سبحانه وتعالى في وصفه:{وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا}(٣) ، وفي جميعها لا مجال لدعوى أن كلمة (زكاة) تشتمل دلالتها على (الزكاة) بمعنى الركن الثالث من أركان الدين. وإنما دلالتها تتراوح بين البركة والطهر والنماء، وهذا ينفي نفيًا حاسما أن تكون كلمة (زكاة) بدون أداة التعريف (أل) قد استعملها الشارع حقيقة شرعية في الركن الثالث من أركان الدين. أما إذا كانت معرفة بأل، فيمكن الدعوى بأن الشارع استعملها حقيقة شرعية فيه، وهذا يعني أنها إذا وردت غير معرفة بأل، سواء كانت (نكرة) أو (معرفة) عرفتها الإضافة، كما هو الشأن في الروايات التي ذكرت (زكاة ماله) بدلا من (حقه) ، أو ما شاكل ذلك في الأحاديث المروية عن أبي ذر وأبي هريرة وغيرهما، والتي سبق أن نقلناها، فلا سبيل إلى القول بأنها تعني الزكاة المفروضة إلا بدليل، وهذا الدليل الذي يعينها بأنها الزكاة المفروضة لا وجود له في تلك الروايات لفظا أو مفهوما أو سياقا، وعلى من زعم وجوده البرهان، بل إن كلمة الزكاة - معرفة بأل - نفسها، يرى بعض المفسرين أنها ليست "حقيقة شرعية " أطلقها الشارع الحكيم جل جلاله على الركن الثالث من أركان الدين، فقد وردت في القرآن الكريم في رأيهم معبرة عن غير هذا الركن أو بالأحرى معبرة عن أحد معانيها اللغوية التي تشرك في التعبير عنها، ومن مجموعها جاء إطلاقها على الركن الثالث من أركان الدين ومن هؤلاء المفسرين الراغب الأصبهاني، ويحسن أن ننقل مجموع ما قاله في كلمة (زكا) ومشتقاتها، فذلك أجلى لرأيه ومنطلقه في تأويله قال (٤) : (زكا) أصل الزكاة النمو الحاصل من تزكية الله تعالى، ويعتبر ذلك بالأمور الدنيوية والأخروية. يقال: زكا الزرع يزكو إذا حصل منه نمو وبركة، وقوله تعالى:{أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا}(٥) إشارة إلى ما يكون حلالًا لا يستوخم عقباه، ومنه الزكاة لما يخرج الإنسان من حق الله تعالى إلى الفقراء وتسميته بذلك لما يكون فيها من رجاء البركة أو تزكية النفس، أي: تنميتها بالخيرات والبركات أو هما جميعًا، فإن الخيرين موجودان فيها. وقرن الله تعالى الزكاة بالصلاة في القرآن الكريم لقوله:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ}(٦)
(١) الآية: (٣٩) سورة الروم. (٢) الآية: (٨١) سورة الكهف. (٣) الآية رقم (١٣) سورة مريم. (٤) المفردات في غريب القرآن. ص: ٣١٢ و٣١٣. (٥) الآية: (١٩) سورة الكهف. (٦) الآيات: (٤٣) و (٨٣) و (١١٠) سورة البقرة والآية: (٥٦) سورة النور.