ولم أقف على من فكر منهم في أن يفصل بين دلالة لفظ (زكاة) غير معرف بأل ودلالته معرفًا بها، على حين أن التفرقة بين الدلالتين هي مكمن السر والمناط، لذلك لم نجد مناصًا من العودة إلى أصل كلمة (زكا) .
قال ابن الأثير (١) :"زكا " قد تكرر في الحديث ذكر الزكاة والتزكية، وأصل الزكاة في اللغة: الطهارة والنماء والبركة والمدح، وكل ذلك قد استعمل في القرآن والحديث، وزنها فعلة، كالصدقة، فلما تحركت الواو وانفتح ما قبلها، قلبت ألفًا وهي من الأسماء المشتركة بين المخرج والفعل، وتطلق على العين، وهي الطائفة من المال المزكى بها، وعلى المعنى وهو التزكية. ومن جانب هذا البيان أتى من ظلم نفسه بالطعن على قوله تعالى:{وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ}(٢) ذاهبًا إلى العين، وإنما المراد المعنى الذي هو التزكية، فالزكاة طهرة للأموال، وزكاة الفطر طهرة للأبدان، وفي حديث زينب:"كان اسمها برة، فغيره وقال: تزكي نفسها ". زكى الرجل نفسه إذا وصفها وأثنى عليها، وفي حديث الباقر أنه قال:"زكاة الأرض يبسها ". يعني طهارتها من النجاسة، كالبول وأشباهه بأن يجف ويذهب أثره. وفي حديث معاوية أنه قدم المدينة بمال، فسأل عن الحسن بن علي، فقيل: إنه بمكة، فأزكى المال ومضى، فلحق الحسن، فقال: قدمت بمال، فلما بلغني شخوصك أزكيته، وها هو ذا، كأنه يريد أوعيته مما تقدم، هكذا فسره أبو موسى ".
وقال ابن منظور (٣) :
" (زكا) الزكاء ممدود النماء والربح، زكا يزكو زكاة وزكوا. وفي حديث علي كرم الله وجهه قال: المال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق، فاستعار له الزكاء، وإن لم يك ذا جرم، وقد زكاه الله وأزكاه والزكاء: ما أخرجه الله من الثمر، وأرض زكية: طيبة سمينة، حكاه أبو حنيفة - يعني الدينوري في زكا، والزرع يزكو زكاء ممدود؛ أي: نما، وأزكاه الله، وكل شيء يزداد وينمى فهو يزكو زكاء، وتقول: هذ الأمر لا يزكو بفلان زكاء، أي: لا يليق به وأنشد: