وروى حديث جابر، ووردت فيه كلمة (حق) بدلًا من كلمة (زكاة) كل من أحمد وأبي عبيد وابن عبد البر عن طريق أبي الزبير، ورواه أبو عبيد أيضًا عن ابن طاوس عنه، وعن عبد الملك بن سليمان عنه، كذلك رواه الدارمي عنه من طريق عبد الملك. وروى النسائي حديث ابن مسعود وفيه كلمة (حق) بدلًا من كلمة (زكاة) عن طريق أبي وائل، على حين رواه كل من ابن ماجه والبيهقي عن طريق وائل أيضًا
, ولكن جاءت فيه كلمة (زكاة) بدلًا من كلمة (حق) ، فالمعنى: هذا الاختلاف في رواياتهم، لاجتلاء ذلك نقرر أولًا حقيقة لا مناص من الانطلاق من تقريرها، وهي أن بعض هذه الروايات كانت بالمعنى، وبعضها باللفظ، ولا سبيل إلى الجزم أيها كانت باللفظ، إنما السبيل الوحيدة التي يمكن الاطمئنان إليها هي الجمع بين الروايتين باعتبار أننا لا نستطيع ترجيح الواحدة عن الأخرى، وإن يكن مجموع أسانيد الروايات بكلمة (حق) - لا سيما إذا أضيفت الروايات عن أبي ذر - ترجح تلك التي وردت فيها كلمة (زكاة) بدلًا من كلمة (حق) رجحانًا لا يمكن اعتماده علميًا لاعتبار أنها أصح، وأنها الأولى، بأن تكون الرواية اللفظية.
والجمع بينهما إنما يتأتى من التأكد من المعنى المقصود من كلمة (زكاة) عند من وردت في روايته، ويظهر أن أغلب من أثر عنهم تفسير قوله تعالى:{وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ}(١) وقوله تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}(٢) وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ}(٣) اعتمدوا اعتبار كلمة " زكاة" مرادفة لكلمة " الزكاة، بـ (أل) التعريفية والتي استعملها الشارع للحق المعين زمانه ونصابه ومصادره والمطلق عليه. هذا اللفظ المعرف بأل والمقرون بالصلاة في معظم ما ورد ذكره في القرآن الكريم والذي هو الركن الثالث من أركان الاسلام الخمس. ولذلك جاء ما أثر عنهم من التأويل والتفسير والاستنباط متأرجحًا بين دعوى نسخ بعض هذه الآيات بآيات الزكاة، وبين القول بأنها جميعًا تؤكد آيات الزكاة وتنذر مانعي الزكاة بما أعد لهم يوم القيامة من نكال، وقل في المفسرين وشراح الحديث من فرق بين هذه الآيات وآيات الزكاة دون أن يعتبر هذه الآيات منسوخة بآيات الزكاة.
(١) الآية رقم (١٧٧) سورة البقرة. (٢) الآية رقم (١٨٠) سورة آل عمران. (٣) الآية رقم (٣٤) سورة التوبة.