للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أخبرنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا همام بن يحيى، قال: حدثنا قتادة، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء الرحبي، أنه دخل على أبي ذر وهو بالربذة وعنده امرأة سوداء مشنفة، ليس عليها أثر المجاسد ولا الخلق. قال: فقال: ألا ترون ما تأمرني هذه السويداء؟ تأمرني أن آتي العراق، فإذا أتيت العراق مالوا علي بدنياهم، ألا وإن خليلي عهد إلي أن دون جسر جهنم طريقًا ذا دحض ومزلة، وإنا إن نأت عليه وفي أحمالنا اقتدار أحرى أن ننجو من أن نأتي عليه ونحن مواقير.

أخبرنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا قرة بن خالد، حدثنا عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، قال: كسي أبو ذر بردين، فاتزر بأحدهما، وارتدى بشملة، وكسى أحدهما غلامه، ثم خرج على القوم، فقالوا: لو كنت لبستهما جميعًا كان أجمل. قال: أجل، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تكسون.

وقال الذهبي (١) : "وعن أم طلق قالت: دخلت على أبي ذر، فرأيته شاعثًا شاحبًا، بيده صوف، قد جعل عودين وهو يغزل بهما، فلم أر في بيته شيئًا، فناولته شيئًا من دقيق وسويق، فقال لي: أما ثوابك، فعلى الله.

وقد يقال: ما بال أبي ذر آثر النفي أو الاعتزال إلى الربذة عن الاستمرار في النضال من أجل دعوته ومواجهة ما قد يجره عليه نضاله من متاعب أو من تضحيات إن كان ملتزمًا فواثقًا بما يدعو إليه ويرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن أوكد خصائص الالتزام والوثوق الاستهانة بالمتاعب والتضحيات في سبيل ما كان به الالتزام والوثوق.

والجواب عن هذا من أبي ذر نفسه، فقد تلقى من رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرًا لم يكن ليتجاوزه، ليس بأدنى وجوبا أو تأكدًا من الأمر الذي التزم به ووثق فيما يتصل بالمال، وهو يتصل هذه المرة بالسياسة أو بعلاقة الرعية بالراعي والمسلمين بمن يؤمر عليهم، فقد كان أبو ذر ينزع إلى أن يستل سيفه ويقاتل به كل من يقف في وجهه إلى أن ينتصر أو يستشهد، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بغير ذلك حين أفضى إليه بنزعته تلك، ولنستمع إليه فيما روى عنه كل من أحمد وابن سعد وابن ماجه.


(١) سير أعلام النبلاء. ج: ٢. ص: ٧٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>