للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

على أن التزام أبي ذر بما وعاه عن رسول الله صلى الله عليه وسل في تأثل المال واكتنازه وما ينجر عنه من تبعات كان سلوكًا قبل أن يكون دعوة، ومن أروع صوره ما رواه ابن سعد والذهبي.

قال ابن سعد (١) : "أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا سعيد بن عطاء بن أبي مروان، عن أبيه، عن أبي ذر، أنه رآه في نمرة مؤتزرًا بها قائما يصلي، فقلت: يا أبا ذر، أما لك ثوب غير هذه النمرة؟ قال: لو كان لي لرأيته علي. قلت: فقد رأيت عليك منذ أيام ثوبين. قال: يابن أخي أعطيتهما لمن هو أحوج مني. قلت: والله إنك لمحتاج إليهما. قال: اللهم غفرًا، إنك لمعظم للدنيا، أليس ترى علي هذه البردة ولي أخرى للمسجد ولي أعنز نحلبها، ولي أحمرة نحمل عليها ميرتنا، وعندنا من يخدمنا ويكفينا مهنة طعامنا، فأي نعمة أفضل مما نحن فيه؟

أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا سفيان الثوري، عن عمار الذهبي، عن أبي شعبة قال: جاء رجل من قومنا أبا ذر يعرض عليه، فأبى أبو ذر أن يأخذ، وقال: لنا أحمرة نحتمل عليها، وأعنز نحلبها، ومحررة تخدمنا، وفضل عباءة من كسوتنا، وإني لأخاف أن أحاسب بالفضل.

أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا علي بن يزيد الأسلمي، قال: حدثني عيسى بن عميلة الفزاري، قال: أخبرني من رأى أبا ذر يحلب غنيمة له، فيبدأ بجيرانه وأضيافه قبل نفسه، وقد رأيته ليلة حلب حتى ما بقي في ضروع غنمه شيء إلا مصره وقرب إليهم تمرًا وهو يسير، ثم تعذر إليهم، وقال: لو كان عندنا ما هو أفضل من هذا لجئنا به. قال: وما رأيته ذاق تلك الليلة شيئًا.

أخبرنا محمد بن عمر، عن موسى بن عبيدة، قال: حدثني عبد الله بن خراش الكعبي، قال: وجدت أبا ذر في مظلة شعر بالربذة تحته امرأة سحماء، فقلت: يا أبا ذر تتزوج سحماء؟ قال: أتزوج من تضعني، أحب إلي ممن ترفعني، ما زال لي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى ما ترك لي الحق صديقًا.


(١) الطبقات. ج: ٤. ص: ٢٣٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>