عن ثعلبة بن الحكم، عن علي قال: لم يبق أحد لا يبالي في الله لومة لائم غير أبي ذر ولا نفسي ثم ضرب بيده على صدره.
وهذه المياسم التي لفتنا إليها باعتبارها العناصر المكونة لقصة أبي ذر موقفه، يكملها ما رواه ابن سعد (١) فقال: "أخبرنا مالك بن إسماعيل أبو غسان النهدي، قال: حدثنا مسعود بن سعد الجعفي، عن الحسن بن عبيد الله، عن رياح بن الحارث، عن ثعلبة بن الحكم، عن علي قال: لم يبق أحد لا يبالي في الله لومة لائم غير أبي ذر ولا نفسي، ثم ضرب بيده إلى صدره.
وما من شك في أن صلابة أبي ذر وصراحته وشدة التزامه بكل ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو فهمه من كتاب الله عز وجل وبالنضال المستميت في سبيل صيانة التراث النبوي العملي والتشريعي من التحريف والانحراف يكون الركن الركين الذي يعصم تفسيره لآية "الكنز " وفهمه لما في المال حق سوى الزكاة من كل محاولة لتوهيمه أو اعتبار موقفه متطرفًا على حد التعبير الحديث، فليس في شريعة الله تطرف واعتدال، إنما هو الالتزام أو الانحراف، وقد تجيئ الرخصة، ولكن الظروف الخاصة هي التي تسوغها وتحيط بها، فإذا انتفت الظروف ارتفعت الرخصة وأبو ذر لم يكن يجهل ذلك، بدليل أنه لم يجهر بقوله ولم يبرز بنضاله طيلة أيام عمر وعلي، بل وحتى من أيام أبي بكر، وكانت الأموال قد أخذت تستكثر في أيدي المسلمين، ذلك بأن المسلمين يومئذ كانت الدنيا تقبل عليهم، وكانوا يتقبلونها، ولكن مقبلين على الآخرة يتعاملون بها ومعها في نطاق شرع الله وخلق القرآن، فلما صار الأمر إلى بني أمية وشيعتهم، استغلوا ضعف عثمان وإسماحه - رحمه الله - فجردوا العمل السياسي من الالتزام الديني، ونتج عن ذلك انحراف عامة الناس وأكثرهم من مسلمة الفتوح الذين لم يعايشوا أنوار النبوة عن الخلق الإسلامي الذي هو النبع الأصيل لمناط التشريع انحرافًا أخذ في بادئ أمره يعمد إلى التأويل يعتمده، وما أكثر ما كان التأويل تحريفًا للمعنى أو للمناط، ثم تطور أمره حتى أصبح نمطًا من عدم الاكتراث بالنص، قد يتقنع بأنماط من الترخيص، لا سيما حين أخذ يعم التقليد، ويفشو الوضع ويضؤل الاعتصام بالنص الثابت والأثر الصحيح والفهم الصريح، وتلك ظاهرة تصحب دائما طول الأمد بعهد النبوة ثم من بعده بعهود اليقظة والانبعاث وصيحات التلبية والتحذير.