ولم يكن أبو ذر مجرد سامع ينقل ما سمع، فيقال فيه: إنه قد لا يكون واعيًا بما ينقل أو فقيهًا لما قال أو بصيرًا بما سمع، وإنما كان عالمًا جليلًا أفتى في عهد أبي بكر وعمر وأصر على الفتيا في عهد عثمان وإن منعه عثمان أو بعض ولاته أو تقول على عثمان بعض أنصاره بمنعه، وذلك ما تشهد به الآثار التي رواها كل من ابن سعد والذهبي مما ندرجه فيما يلي:
قال ابن سعد (١) : "أخبرنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو حرب بن الأسود، عن أبي الأسود، قال ابن جريج: ورجل من زاذان قالا: سئل علي عن أبي ذر وقال: وعى علما عجز فيه، وكان شحيحًا حريصًا، شحيحًا على دينه، حريصًا على العلم، وكان يكثر السؤال فيعطي ويمنع، أما إنه قد ملئ له في وعائه حتى امتلأ. فلم يدروا ما يريد بقوله:(وعى علما عجز فيه) . أعجز عن كشف ما عنده من العلم، أم عن طلب ما طلب من العلم إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال الذهبي (٢) :
" البابلي، أخبرنا الأوزاعي، حدثني مرثد أبو كثير، عن أبيه، عن أبي ذر، أن رجلًا أتاه، فقال: إن مصدقي عثمان رضي الله عنه ازدادوا علينا أنغيب عليهم بقدر ما ازدادوا علينا؟ فقال: لا، وقف مالك، وقل: ما كان لكم من حق فخذوه، وما كان باطلًا فردوه، فما تعدوا عليك جعل في ميزانك يوم القيامة. قال: وعلى رأسي فتى من قريش، فقال: أما نهاك أمير المؤمنين عن الفتيا؟ قال: أرقيب أنت علي، فوالذي نفسي بيده لو وضعتم الصمصامة في هذه - وأشار إلى قفاه، ثم ظننت أني منفذ كلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن تجيزوا علي لأنفذتها.
الأوزاعي، حدثني أبو كثير، عن أبيه قال: أتيت أبا ذر وهو جالس عند الجمرة الوسطى، وقد اجتمع الناس عليه يستفتونه، فأتاه رجل، فوقف عليه، فقال: ألم ينهك أمير المؤمنين عن الفتيا؟ فرفع رأسه، فقال: أرقيب أنت علي، لو وضعتم
الصمصامة على هذه - وأشار بيده إلى قفاه - ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن تجيزوا علي لأنفذتها.