وكانت قناعة أبي ذر بأنه دقيق الالتزام بما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد تبلورت عنده، فأصبحت موقفًا سياسيا واجتماعيا ذا صبغة دينية، صمد عليه بقية حياته، ويتمثل هذا الموقف في التزامه بطاعة الأمير حتى وإن يكن مجرد إمام في الصلاة، فالإمارة عنده هي الاطلاع بمسؤولية جماعية أيا كانت هذه المسؤولية.
كما يتمثل في تكييف علاقاته ومعاملاته مع رفاقه من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو يقيم ويحدد طبيعة علاقته بكل واحد منهم وتعامله معه بنوع العلاقة التي بين ذلك الواحد والقائمين على الحكم في ذلك العهد، ومع أنه كان يخاطب عثمان بأخيه كما مر آنفًا في حديث زيد بن خالد الجهني، ربما اعتبارًا لأن عثمان من المبشرين بالجنة، وأنه زوج اثنتين من بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه خليفة بويع بيعة شرعية، فقد رفض أن يكون أخًا لأبي موسى الأشعري لمجرد أنه قبل ولاية لعثمان.
فقد روى ابن سعد (١) : "أخبرنا عبد الله بن عمرو أبو معمر المنقري، قال: حدثنا عبد الوارث بن سعيد، عن الحسين المعلم، عن أبي بريدة قال: لما قدم أبو موسى الأشعري لقي أبا ذر، فجعل أبو موسى يلزمه، وكان الأشعري خفيف اللحم قصيرًا، وكان أبو ذر رجلًا أسود كث الشعر، فجعل الأشعري يلزمه، ويقول أبو ذر: إليك عني، ويقول الأشعري: مرحبا بأخي، ويدفعه أبو ذر، ويقول: لست بأخيك، إنما كنت أخاك قبل أن تستعمل، قال: ثم لقي أبا هريرة، فالتزمه وقال: مرحبا بأخي، فقال أبو ذر: إليك عني، هل كنت عملت لهؤلاء؟ قال: نعم. قال: هل تطاولت في البناء أو اتخذت زرعًا أو ماشية قال: لا. أنت أخي، أنت أخي.
على حين أخذ على أبي الدرداء أنه بنى بيتًا، إذ رأى في مجرد بناء بيت إقبالًا على الدنيا لا ينبغي لمثل أبي الدرداء.
قال الذهبي (٢) : " قال ثابت البناني: بنى أبو الدرداء مسكنًا، فمر عليه أبو ذر، وقال: ما هذا، أتعمر دارًا أذن الله بخرابها؛ لأن تكون رأيتك تتمرغ في عذرة أحب إلي من أن أكون رأيتك فيما رأيتك فيه.