للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وما من أحد يستطيع أن يغمز في شيء مما نقل من مواقف أبي ذر، ولم يكن أحد يستطيع ذلك في عهده، ما أكثر من كانوا يترصدونه ويرتقبون أن يجدوا له مغمزًا، لولا أنه في عاصم من كل متربص ومرتقب بما شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصدق الذي ليس بعده صدق شهادات تناقلها الصحابة ونقلها عنه معاصروه ثم من جاؤوا بعده من النقلة يثبتها إثباتًا لا سبيل إلى الغمز فيه، وإن تقول بعض النقدة في بعض الأسانيد لما يشهد لها من أسانيد أخرى لا سبيل إلى تجريحها ما وراه كل من أحمد وابن سعد وابن حبان والترمذي وابن ماجه والحاكم والذهبي.

قال أحمد (١) : " حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الحميد بن بهرام، حدثنا شهر بن حوشب، حدثنا عبد الرحمن بن غنم، أنه زار أبا الدرداء بحمص، فمكث عنده ليالي، فأمر بحماره فأوكف، فقال أبو الدرداء: لا أراني إلا متعبك، فأمر بحماره فاسرج، فسارا على حماريهما، فلقيا رجلا شهد الجمعة بالأمس عند معاوية بالجابية، فعرفهما الرجل ولم يعرفاه، فأخبرهما خبر الناس، ثم إن الرجل قال: وخبر آخر كرهت أن أخبركماه أراكما تكرهانه، فقال أبو الدرداء: فلعل أبا ذر نفي. قال: نعم والله. فاسترجع أبو الدرداء وصاحبه قريبًا من عشر مرات، ثم قال أبو الدرداء {فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ} (٢) - كما قيل لأصحاب الناقة - اللهم إن كذبوا أبا ذر فإني لا أكذبه، اللهم إن اتهموه فإني لا أتهمه، اللهم إن استغشوه فإني لا استغشه، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأتمنه حين لا يأتمن أحدًا، ويسر إليه حين لا يسر لأحد، أما والذي نفس أبي الدرداء بيده، لو أن أبا ذر قطع يميني ما أبغضته بعد الذي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما أظلت

الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر)) .

وقال ابن سعد (٣) : "أخبرنا عبد الله بن نمير، قال: أخبرنا الأعمش، عن عثمان بن نمير، عن أبي حرب بن الأسود الدؤلي، عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء من رجل أصدق من أبي ذر)) .


(١) الفتح الرباني ج: ٢٢. ص: ٣٧٣.
(٢) الآية رقم: (٢٧) من سورة القمر.
(٣) الطبقات. ج: ٤. ص: ٢٢٨ و٢٢٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>