فرفع أبو ذر عصاه، فضرب كعبا، وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما أحب لو أن لي هذا الجبل ذهبًا أنفقه ويتقبل مني أذر خلفي منه ست أواق، أنشدك الله يا عثمان أسمعته؟ ثلاث مرات قال: نعم.
وقال ابن سعد (١) : أخبرنا الفضل بن دكين، قال: حدثنا جعفر أبو البرقان، عن ثابت بن الحجاج، عن عبد الله بن سيدان السلمي، قال: تناجى أبو ذر وعثمان حتى ارتفعت أصواتهما، ثم انصرف أبو ذر مبتسما، فقال له الناس: ما لك ولأمير المؤمنين؟ قال: سامع مطيع ولو أمرني أن آتي صنعاء أو عدن ثم استطعت أن أفعل لفعلت. وأمره عثمان أن يخرج إلى الربذة.
وأخبرنا عفان بن مسلم وعمرو بن عاصم الكيلابي، قالا: حدثنا سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، قال: حدثنا عبد الله بن الصامت، قال: دخلت مع أبي ذر في رهط من غفار على عثمان بن عفان من الباب الذي لا يدخل عليه منه أحد، قال: وتخوفنا عثمان عليه، قال: فانتهى إليه، فسلم عليه، قال: ثم بدأه بشيء إلا قال: أحسبتني منهم يا أمير المؤمنين؟ والله ما أنا منهم ولا أدركتهم، لو أمرتني أن آخذ بعرقوتي قتب لأخذت بهما حتى أموت، قال: ثم استأذنه إلى الربذة، فقال: نعم، نأذن لك، ونأمر لك بنعم من نعم الصدقة، فتصيب من رسلها، فقال: فنادى أبو ذر دونكم معاشر قريش دنياكم فاعدموها، لا حاجة لنا فيها، قال: فما نراه بشيء، قال: فانطلق وانطلقت معه حتى قدمنا الربذة، قال: فصادفنا مولى لعثمان غلاما حبشيًا يؤمهم، فنودي بالصلاة، فقال: فلما رأى أبا ذر نكص، فأومأ إليه أبو ذر تقدم فصل، فصلى خلفه أبو ذر.
وقال أبو داود الطيالسي في مسنده (٢)
حدثنا شعبة، قال: أخبرني أبو عمران، سمع عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر قال: لما قدم أبو ذر على عثمان من الشام، قال: يا أمير المؤمنين، أتحسب أني من قوم - والله ما أنا منهم ولا أدركتهم - يقرؤون القرآن لا يتجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا يرجعون إليه حتى يرجع السهم إلى فوقه (٣) سيماهم التحليق، والله لو أمرتني أن أقوم ما قعدت ما ملكتني رجلاي، ولو وثقتني بعرجون في قدمي ما حللته حتى تكون أنت الذي تحلني.
(١) الطبقات. ج: ٤. ص: ٢٢٧ و٢٣٢. (٢) مسند الطيالسي. ص:٦١. ح: ٤٥١. (٣) يعني بسهم الخوارج والحديث مشهور في الخوارج من طرق عدة، وليس مما يعنينا هنا تخريجه.