للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ثم إن آدم وإن يكن يعرف الأسماء كلها، لم يكن يعرف هذه العربية عربية الحجازيين ومن على شاكلتهم، فلو كان يعرفها لتوارثها عنه أبناؤه والأجيال التي تعاقبت بعده، فبرأت لغتهم مما نجده في الحفريات من كلام يشبه الأعجمية، وما صلته بالعربية إلا من نطق الأحرف. فتأمل.

وقد ترجم لشهر عدد من مدوني تاريخ العصر الأول والثاني للهجرة وتراجم الرجال ونقدة الحديث. رحمه الله رحمة واسعة.

عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي ذر قال: كنت أخدم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم آتي المسجد إذا أنا فرغت من عملي، فأضطجع فيه، فأتاني النبي صلى الله عليه وسلم يومًا وأنا مضطجع، فغمزني برجله، فاستويت جالسًا، فقال لي: يا أبا ذر، كيف تصنع إذا أخرجت منها؟ فقلت: أرجع إلى مسجد رسول الله وإلى بيتي. قال: فكيف تصنع إذا أخرجت؟ فقلت: إذا آخذ بسيفي فأضرب به من يخرجني. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يده على منكبي، فقال: غفرًا يا أبا ذر - ثلاثًا - بل تنقاد معهم حين قادوك، وتنساق معهم حين ساقوك، ولو عبدًا أسود. قال أبو ذر: فلما نفيت إلى الربذة، أقيمت الصلاة، فتقدم رجل أسود كان فيها على نعم الصدقة، فلما رآني أخذ يرجع ليقدمني، فقلت: كما أنت بل أنقاد إلى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثنا هاشم، قال: حدثنا عبد الحميد، قال: حدثنا شهر، قال: حدثتني أسماء بنت يزيد، ((أن أبا ذر الغفاري كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا فرغ من خدمته آوى إلى المسجد، فكان هو بيته يضطجع فيه، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم ليلة، فوجد أبا ذر نائما منجدلًا في المسجد، فنكته النبي صلى الله عليه وسلم برجله حتى استوى جالسًا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أراك نائما؟ قال أبو ذر: يا رسول الله، فأين أنام؟ هل لي من بيت غيره؟ فجلس النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: كيف أنت إذا أخرجوك منه؟ قال: إذن ألحق بالشام، فإن الشام أرض الهجرة وأرض المحشر وأرض الأنبياء، فأكون رجلًا من أهلها. قال له: كيف أنت إذا أخرجوك من الشام؟ قال: إذن أرجع إليه فيكون هو بيتي ومنزلي. قال له: كيف أنت إذا أخرجوك منه الثانية؟ قال: إذن آخذ سيفي، فأقاتل عني حتى أموت. قال: فكشر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأثبته بيده، قال: أدلك على خير من ذلك؟ قال: بلى بأبي أنت وأمي يا رسول الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تنقاد لهم حيث قادوك، وتنساق لهم حيث ساقوك، حتى تلقاني وأنت على ذلك)) .

قال ابن سعد (١) : أخبرنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر: ((إذا بلغ البناء سلعًا فاخرج منها - ونحا بيده نحو الشام، ولا أرى أمراءك يدعونك - قال: يا رسول الله، أفلا أقاتل من يحول بيني وبين أمرك؟ قال: لا. قال: فما تأمرني؟ قال: اسمع وأطع ولو لعبد حبشي. قال: فلما كان ذلك، خرج إلى الشام فكتب معاوية إلى عثمان أن أبا ذر قد أفسد الناس بالشام، فبعث إليه عثمان، فقدم عليه، ثم بعثوا أهله من بعده، فوجدوا كيسًا أو شيئًا، فظنوا أنها دراهم، فقالوا: ما شاء الله، فإذا هي فلوس، فلما قدم المدينة قال له عثمان: كن تغدو عليك وتروح اللقاح. قال: لا حاجة لي في دنياكم، ثم قال: ائذن لي حتى أخرج إلى الربذة. فأذن له، فخرج إلى الربذة، وقد أقيمت الصلاة وعليها عبد لعثمان حبشي، فتأخر، فقال أبو ذر: تقدم فصل، فإني أمرت أن أسمع وأطيع ولو لعبد حبشي، فأنت عبد حبشي ")) .

وقد التزم أبو ذر التزامًا دقيقًا بسلوك النهج الذي رسمه له رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يريم أيا كانت الأطوار التي توالت عليه حتى لقي الله، كما تصوره تصويرًا بديعًا الأحاديث التي رواها كل من أحمد وابن سعد والطيالسي وابن زنجويه والذهبي وندرجها على التوالي: قال أحمد في مسنده (٢) : حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا عبد الله بن لهيعة، حدثنا أبو قبيل، قال: سمعت عبد الله بن مالك الزيادي يحدث، عن أبي ذر أنه جاء يستأذن على عثمان بن عفان - رضي

الله عنه - فأذن له وبيده عصاه، فقال عثمان رضي الله عنه: يا كعب، إن عبد الرحمن بن عوف ترك مالًا، فما ترى فيه؟ فقال: إن كان يصل فيه حق الله، فلا بأس عليه.


(١) الطبقات. ج: ٤. ص: ٢٢٦ و٢٢٧.
(٢) ج: ١. ص: ٦٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>