والذي يعنينا من كل هذا هو أن تأويل أبي ذر لآية الكنز كان هو التأويل الصحيح الوحيد الذي تشهد له ظروف سورة التوبة كلها، كما تشهد له الوقائع التي حفلت بها تلك الظروف.
وقبل أن نعرض تلك الظروف نرى - تيسيرًا لاستكمال الصورة لدى القارئ - أن ندرج صفوة مما روي عن أبي ذر في تأويل آية الكنز ولم يورده الطبري أو أورده بسند مختلف، ذلك بأن أبا ذر لم يكن متأولًا بالمعنى اللغوي لكلمة التأويل، وإنما كان مفسرًا تفسيرًا يأثره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صيغ إن لم تكن جميعًا متصلة بالآية اتصال تفسير، فإنها متصلة بحكمها اتصال بيان، وما من أحد يماري في أن السنة مبينة للقرآن، وقد آثرنا إدراج ما اصطفيناه من حديث أبي ذر حول الكنز بمختلف أسانيده وألفاظه على تماثل بعضها وتشاكل معانيها ودلالاتها ودون أن نعرض لما عرض له نقدة الحديث من تجريح بعض النقلة لإتاحة الفرصة لمن قد يطلع على هذا البحث أن يحيط بمختلف ما أثر عن أبي ذر في هذا الشأن وأن يتدبر دلالات ألفاظه ويتبين أن اختلافها لا يعني تغايرًا بين معانيها ودلالاتها، وإنما يعني أحيانًا اختلافًا بين بعض الرواة بالمعنى واختلافًا بين ظروف تحدث أبي ذر بما يأثره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر، ذلك بأنه كان شغل أبي ذر في الشام وفي المدينة وفي مكة وفي الربذة وأينما حل وارتحل منذ نذر نفسه لمناهضة الكنازين في أواسط عهد عثمان عندما ارتحل إلى الشام ثم أعيد منه واعتزل اختيارًا أو طاعة لأمر عثمان في الربذة على ما ذكرته الروايات التي سندرجها بعد قليل.
ولأن كلام النقدة في بعض النقلة لا نراه ذا أثر جدير بالاعتبار في تقييم الحديث نفسه، فما من سند تكلموا في بعض رجاله إلا وشهدت لحديثه أسانيد وأحاديث أخرى، لا سبيل إلى الغمز فيها، وهذا يجعل كلامه في بعض النقلة غير مؤثر في دلالة الحديث أو الحكم المستفاد منه، لا سيما أن من تكلموا فيهم لم يصمهم أحد بوصمة الوضع أو ما يشاكله، وإنما اقتصروا في نقدهم على التضعيف اعتمادًا على أن بعضهم اختلط بآخرة، وأن غيره سيئ الحفظ وأوصاف على هذه الشاكلة.
وحول آية الكنز ووعيد رسول الله صلى الله عليه وسلم للكانزين والمدخرين، روى كل من أحمد وابن أبي شيبة وابن حبان وابن سعد والبخاري ومسلم والذهبي بأسانيد مختلفة ما ندرجه على التوالي: