وكان أبو ذر وهو الذي صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أغلب سنوات الهجرة إذ أسلم من قبلها، فأعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام خليقًا بأن ينكر أشد الإنكار على معاوية مواقفه المريبة تلك والتي نشأ عنها نمط من التكيف الطبقي في المجتمع الإسلامي عامة وفي الشام خاصة، إذ إن تصرف معاوية في الشام كان نمطًا أخذ يقتدي به بعض عمال عثمان من بني أمية وشيعتهم وذيولهم على أقطار أخرى مما شملته الفتوحات الإسلامية، ذلك بأن أبا ذر أخذ يدرك بعمق إيمانه وغزارة علمه وصلابته في دينه وشدة تمسكه بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يتهدد المجتمع الإسلامي من التخلي عن قاعدة المؤاخاة التي شرعها القرآن أساسًا لبناء المجتمع الإسلامي، وطبقها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هاجر إلى المدينة، إذ آخى بين المهاجرين والأنصار، والتحول إلى سلوك لا يؤدي ولا يمكن أن يؤدي إلا إلى صراع طبقي يهدم الكيان الإسلامي من داخله ويهيئه للمتربصين به لقمة سائغة فضلًا عن أن طبيعة الترف والبزخ حين تهيمن على الناس تصرفهم صرفًا كاملًا حاسما عن الخلق الإسلامي الرضي المستلهم لطبيعة الأخوة الإسلامية والمساواة بين المسلمين والتضحية في سبيل المصلحة العامة لهم إلى خلق الجشع والأثرة واللهف وراء المال من طرق شرعية بادئ الأمر، ثم من غيرها بالتأويل المنحرف لنصوص الشريعة، ثم بالاستهتار وعدم المبالاة، ثم بالاستحلال، وهي مراحل من الانحراف لا محيص من أن تؤدي الواحدة منها إلى الأخرى، فكان أبو ذر بما جهر وإصراره على ما أصر ثم إيثاره العزلة نمطًا من النضال، بل من الجهاد، اختاره أبو ذر، ووقف له حياته حتى لحق بربه راضيًا مرضيًا، ولم يكن شذوذًا كما يطيب للبعض أن يقول، وإنما هو صمود على الحق وثبات في الدعوة إليه، وصيانة معالمه وقواعده.
وآية ذلك أن النتيجة التي نتجت عن تأويلات المتأولين لآية الكنز ومنهم بعض التابعين - يغفر الله لهم - كانت استمرار المجتمع الإسلامي انطلاقًا من سنن معاوية في الابتعاد السريع المريع عن السنن الذي كان عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين من بعده وأراد علي - رحمه الله - أن يعيده إليه، فعاقه المنشقون، ثم عاجله قدر الله، وأراد عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - أن يعيده إليه، فعاجله قدره أيضًا، ولا أحسبه بمستطيع لو طال عمره، فقد فات الأوان.