وقد سبق أن ذكرنا أثناء حديثنا عن رافع بن خديج، أن صلة ما كانت بين الصحابيين الجليلين رافع وأبي ذر على تفاوت بينهما في السن وتباين في المحتد والمنشأ، تمثلت في موقف كان لهما من عثمان لبث فيه أبو ذر شديدًا صامدًا صلبًا مجابهًا، وقمع فيه رافع بالجهر الهادئ المسالم بما يريانه معًا أو يقترب أحدهما من الآخر في شأنه رؤية ورأيًا، وكلاهما أحدث موقفه لحاجة وصخبًا بين معاصريه من أهل الفتيا وغيرهم، اقتصر رافع في موقفه على ما يتصل بالأرض وإيجارها، واختص أبو ذر في موقفه على ما يتصل بالأموال المنقولة مباشرة وكنزها في أغلب أحواله وإن تناول العقار أيضًا في بعضها، وكان منطلق رافع عما حدث به هو وجابر وأبو هريرة وغيرهم من نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إيجار الأرض على حين كان منطلق أبي ذر آية الكنز، وكلا الرجلين كان يقاوم - كل على طريقته - ظاهرة برزت منذرة بشر مستطير منذ أواخر عهد عثمان والذي لفت منها رافعًا ومن على شاكلته هو استحواذ القادرين ماليا على الأرض واستغلالها استحواذًا لم يحرم الفقراء فحسب، وإنما استغل ما فيهم من طاقة وخبرة استغلالًا يبقي على ضعف الفقير وينهك جهده فيما يكدس في خزائن القادر ثمرة ذلك الجهد وما صحبه من خبرة ودربة تكديسًا قوامه عرق الفقير الضعيف.
أما الذي لفت أبا ذر وخاصة حين ذهب إلى الشام، فهو ما أخذ يتكدس ويكتنز في أيدي المحظوظين عامة سواء منهم الفلاحون والتجار وأرباب الحرف وغيرهم ممن يستثمرون أموالهم، وطبيعي أن هؤلاء لم يكونوا جمهرة المسلمين، وإنما كانوا طائفة منهم، إن تكن وفيرة فليست الغالبة عددًا على كل حال.
وكان قد صحب هذا التكدس والاكتناز بذخ وترف أخذا يتطوران إلى نوع من البطر تجلى في تداول آنية الذهب والفضة، وطبعًا كان تداولها للاستعمال وحتى وإن يكن للزينة فهو نمط من الأشر والبطر نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم نهيًا صريحًا حاسما لا مجال فيه لأي تأويل، وكان بعض الصحابة رضوان الله عليهم قد ناقش معاوية وبالأحرى جادله جدالًا لا يخلو من حدة في نمط من التعامل أباحه معاوية وأنكره عليه صفوة الصحابة، وهو البيع والشراء في آنية الذهب والفضة بالنقد، أي بالدينار والدرهم، وليس هذا مجال تفصيل القول في هذا الشأن، حسبنا أن نشير إليه كمظهر من المظاهر التي اضطرت أبي ذر رضي الله عنه أن يشتد في الإنكار على معاوية بالذات وهو يتأول الوعيد الذي نزل في الكانزين بأنه غير موجه إلى المسلمين، وإنما هو موجه إلى أهل الكتاب تأولًا على غرابته ليس بغريب عن المقولة العجب الأخرى التي تقولها البعض، يغفر الله لهم، من أن آية الكنز نسختها آية الزكاة.