للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ثم نقل من الموطأ قول ابن عمر: إن الكنز هو ما لم تؤد زكاته. وحديث أبي هريرة عن المال الذي لم تؤد زكاته وأخذه بلهزمتي صاحبه يوم القيامة، وهو يقول: أنا مالك أنا كنزك.

وقد ذكرناهما آنفًا.

ثم قال:

" فتأويله أن ذلك بعض ماله وبعض كنزه، فهو بعض الكنز المذموم في الكتاب والسنة، وليس كل كنز مذمومًا، وشذ أبو ذر فحمل الآية على عموم الكانزين في جميع أحوال الكنز وعلى عموم الإنفاق، وحمل {سَبِيلِ اللَّهِ} على وجوه البر، فقال بتحريم كنز المال، وكأنه تأول {وَلَا يُنْفِقُونَهَا} على معنى ما يسمى عطف التفسير أي: على معنى العطف لمجرد القرن بين اللفظين، فكان أبو ذر بالشام ينهى الناس عن الكنز، ويقول: وبشر الكناز بمكاوٍ من النار تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم. فقال له معاوية وهو أمير الشام في خلافة عثمان: إنما نزلت الآية في أهل الكتاب، فقال أبو ذر: نزلت فيهم وفينا. واشتد قول أبي ذر على الناس ورأوه قولًا لم يقله أحد في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، فشكاه معاوية إلى عثمان، فاستجلبه من الشام وخشي أبو ذر الفتنة في المدينة، فاعتزلها وسكن الربذة، وثبت على قوله".

قلت: أبدأ الناس وأعادوا وخبوا وأوضعوا حول أبي ذر- رحمه الله – وحديثه أو أحاديثه، وليس شأننا في هذا المجال استقراء ما روي عن أبي ذر في شأن الكنز، إنما شأننا استجلاء المقاصد من مجموع حديث أبي ذر مع معاوية وعثمان وروايته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأول ما ينبغي الوقوف عنده وهو أساسي في تقديرنا، هو أن أبا ذر - رضي الله عنه - كان ممن يفتي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من أوعية العلم، فقد ذكره ابن سعد في طبقاته (فيمن ذكر من أهل العلم والفتوى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم) (١) ، وروى في شأنه أثرًا لعلي - رضي الله عنه - فضلًا عن أثرين آخرين.


(١) طبقات ابن سعد. ج: ٢. ص: ٣٥٠ و٣٥٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>