الوجه الأول: أن الإنسان إذا أحب شيئًا فكلما كان وصوله إليه أكثر والتذاذه بوجدانه أكثر، كان حبه له أشد وميله أقوى، فالإنسان إذا كان فقيرًا، فكأنه لم يذق لذة الانتفاع بالمال، وكأنه غافل عن تلك اللذة، فإذا ملك القليل من المال وجد بقدره اللذة، فصار ميله أشد، فكلما صارت أمواله أزيد، كان التذاذه به أكثر، وكان حرصه في طلبه وميله إلى تحصيله أشد، فثبت أن تكثير المال سبب لتكثير الحرص في الطلب، فالحرص متعب للروح والنفس والقلب، وضرره شديد، فوجب على العاقل أن يحترز عن الإضرار بالنفس، وأيضًا قد بينا أنه كلما كان المال أكثر، كان الحرص أشد، فلو قدرنا أنه كان ينتهي طلب المال إلى حد ينقطع عنه الطلب ويزول الحرص.
لقد كان الإنسان يسعى في الوصول إلى ذلك الحد، أما كما ثبت بالدليل أنه كلما كان تملك الأموال أكثر، كان الضرر الناشئ من الحرص أكبر، وأنه لا نهاية لهذا الضرر ولهذا الطلب، فوجب على الإنسان أن يتركه في أول الأمر كما قال:
رأى الأمر يفضي إلى آخر فصير آخره أولًا
والوجه الثاني: أن كسب المال شاق شديد، وحفظه بعد حصوله أشد وأشقى وأصعب، فيبقى الإنسان طيلة عمره تارة في طلب التحصيل، وأخرى في تعب الحفظ، ثم إنه لا ينتفع بها إلا بالقليل، وبالآخر يتركها مع الحسرات والزفرات، وذلك هو الخسران المبين.
الوجه الثالث: أن كثرة المال والجاه تورث الطغيان كما قال سبحانه وتعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى} (١) والطغيان يمنع من وصول العبد إلى مقام رضوان الرحمن ويوقعه في الخسران والخذلان.
وقال محمد الطاهر بن عاشور (٢) عند شرحه لهذه الآية: " فالموصول - يعني في قوله تعالى:{وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ} الآية - مراد به قوم معهودون يعرفون أنهم المراد من الوعيد ويعرفهم المسلمون، ولذلك لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أنب قومًا بأعيانهم.
ومعنى:{وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} انتفاء الإنفاق الواجب وهو الصدقات الواجبة والنفقات الواجبة إما وجوبًا مستمرًا كالزكاة، وإما وجوبًا عارضًا كالنفقة في الحج الواجب والنفقة في نوائب المسلمين مما يدعو الناس إليه ولاة العدل. والضمير المؤنث في قوله:{يُنْفِقُونَهَا} عائد إلى الذهب والفضة، والوعيد منوط بالكنز وعدم الإنفاق، فليس الكنز وحده بمتوعد، وليست الآية في معرض أحكام ادخار المال وفي معرض إيجاب الإنفاق، ولا هي في تعيين سبيل البر المعروف التي يجب الإخراج لأجلها من المال، ولا داعي إلى تأويل الكنز بالمال الذي لم تؤد زكاته حين وجوبها، ولا إلى تأويل الإنفاق بأداء الزكاة الواجبة، ولا إلى تأويل سبيل الله بالصدقات الواجبة؛ لأنه ليس المراد باسم الموصول العموم، بل أريد به العهد، فلا حاجة إلى ادعاء أنها نسختها آية وجوب
الزكاة، فإن وجوب الزكاة سابق على وقت نزول هذه الآية ".
(١) الآية رقم: (٦) و (٧) سورة العلق. (٢) التحرير والتنوير. ج: ١٠. ص: ١٧٦ و١٧٧.