للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قلت: هذا يتجه لو لم تكن سورة التوبة نزلت سنة تسع، وكان جلها متصلًا بغزوة تبوك، وظروفها وبعضها ممهدًا لها، وسنة تسع كانت بعد فتح مكة بعام كامل، وفتح مكة تتويج للفتوحات الإسلامية في العهد النبوي ولم يكن المسلمون يومئذٍ – ومنهم المهاجرون – في مثل الخصاصة التي يحاول أن يدعيها صاحب هذا القول، إلا أن يكون قد التبس عليه التاريخ.

ثم قال:

" وقيل: الكنز ما لم تؤد منه الحقوق العارضة، كفك الأسير، وإطعام الجائع".

وقال الرازي (١) بعد أن استعرض التأويلات المأثورة: " القول الأول، وانتهى إلى قول ابن عباس في قوله: {وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} يريد الذين لا يؤدون زكاة أموالهم، قال القاضي: تخصيص هذا المعنى بمنع الزكاة لا سبيل إليه، بل الواجب أن يقال: الكنز: هو المال الذي ما أخرج " عنه". (٢) ما وجب إخراجه " عنه " (٣) ، ولا فرق بين الزكاة وبين ما يجب من الكفارات وما يلزم من نفقة الحج أو الجمعة (٤) وبين ما يجب إخراجه في الدين والحقوق والإنفاق على الأهل أو العيال وضمان المتلفات وأروش الجنايات، فيجب في كل هذه الأقسام أن يكون داخلًا في الوعيد.

القول الثاني: المال الكثير إذا جمع فهو المذموم، سواء أديت زكاته أو لم تؤد، ثم ذكر أن أصحاب هذا القول احتجوا أولًا بعموم هذا الآية، وقال: ولا شك أن ظاهرها دليل على المنع من جمع المال، فالمصير إلى أن الجمع مباح بعد إخراج الزكاة ترك لظاهر هذه الآية، فلا يصار إليه بدليل منفصل.

والثاني: ما روى سالم بن الجعد أنه لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تبًا للذهب والفضة. قالها ثلاثًا، فقالوا له: أي مال نتخذ؟ قال: لسانًا ذاكرًا وقلبًا خاشعًا وزوجة تعين أحدكم على دينه)) (٥) وقال عليه السلام: ((من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها)) (٦) .

وتوفي رجل، فوجد في مئزره دينار، فقال عليه السلام: كية. وتوفي آخر، فوجد في مئزرة ديناران، فقال عليه الصلاة والسلام: كيتان.

والثالث ما روي عن الصحابة في هذا الباب، فقال علي: كل ما زاد عن أربعة آلاف فهو كنز، أديت منه الزكاة أم لم تؤد (٧) .

وعن أبي هريرة: كل صفراء أو بيضاء أوكى عليها صاحبها فهي كنز.


(١) التفسير الكبير. المجلد: ٨. ج: ١٦. ص: ٤٥ وما بعدها.
(٢) لعل الصواب: " منه ".
(٣) لعل الصواب: " منه ".
(٤) لم يتضح لنا ما يقصد بالجمعة.
(٥) تقدم إسناده ضمن أحاديث أبي ذر.
(٦) لم نقف عليه عند غير الطبري.
(٧) راجع الهامش رقم (١) ص ١٥٠٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>