قلت: لا دليل فيهما؛ لأن الوعيد في آية الكنز يختلف عن الوعيد في الحديثين، أما استشهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى:{وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ}(١) فهو دليل على عمومها للزكاة وغيره، وليس دليلًا على معنى آية الكنز، ونوع العذاب الذي أوعد به الكانزون، وشتان بين الشجاع الأقرع وتطويقه وأخذه بهلزمتي مانع الزكاة وبين ما أوعد به الكانز {يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} .
ثم قال:" وقد بين ابن عمر في صحيح البخاري هذا لمعنى، قال له أعرابي: أخبرني عن قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} قال ابن عمر: من كنزها فلم يؤد زكاته، فويل له، فإنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة فلما أنزلت جعلها الله طهرًا للأموال ".
قلت: سنبين من بعد أن هذا وهم من ابن عمر إن صح عنه حين نحدد الزمن الذي نزلت فيه سورة التوبة والزمن الذي فرضت فيه الزكاة، وبَيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنصبتها.
ثم قال:
" وقيل: الكنز ما فضل عن الحاجة، روي عن أبي ذر، وهو ما نقل من مذهبه، وهو من شدائده وممن تفرد به رضي الله عنه، ويحتمل أن يكون مجمل ما روي عن أبي ذر في هذا ما روي أن الآية نزلت في وقت شدة وضعف المهاجرين وقصر يد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كفايتهم، ولم يكن في بيت المال ما يسعهم، وكانت السنون الحوائج هاجمة عليهم، فنهوا عن إمساك شيء من المال إلا على قدر الحاجة، ولا يجوز إدخار الذهب والفضة في مثل هذا الوقت، فلما فتح الله على المسلمين ووسع عليهم، أوجب صلى الله عليه وسلم في مائتي درهم خمسة دراهم، وفي عشرين دينارًا نصف دينار، ولم يوجب الكل، واعتبر مدة الاستنماء، وكان ذلك منه بيانًا صلى الله عليه وسلم".