قلت: جرى ابن العربي في هذا على مذهبه الخاص به، من أنه ليس في المال حق سوى الزكاة، وأن كل نفقة أخرى لا تعدو أن تكون مندوبًا إليها، وله تأويله، بيد أن استدلاله من التهافت والضعف، بحيث نعجب منه أن ركن إليه، ذلك بأن حديث ثوبان فيه وعيد، وليس مجرد ترتيب لأصناف من يثابون أو تبيان لرتبهم، يظاهرنا في هذا الفهم ما سبق أن نقلناه وما سننقله بعد من أحاديث وآثار تثبت أن حديث ثوبان أبعد شيء من أن يكون دليلًا على عدم وجوب الإنفاق على من أدى زكاة ماله إذا تعين أمر أو ظرف يقتضي من القادر الإنفاق.
وقال القرطبي (١) عند شرحه لهذه الآية: " واختلف العلماء في المال الذي أديت زكاته، هل يسمى كنزا أم لا؟ فقال قوم: نعم، رواه أبو الضحى، عن جعدة بن هبيرة، عن علي – رضي الله عنه – قال علي: أربعة آلاف فما فوقها نفقة، وما كثر فهو كنز، وإن أديت زكاته. (٢) ولا يصح. وقال قوم: ما أديت زكاته منه أو من غيره عنه، فليس بكنز، قال ابن عمر:ما أدي زكاته، فليس بكنز، وإن كان تحت سبع أرضين، وما لم تؤد زكاته، فهو كنز، وإن كان فوق الأرض. (٣) ومثله عن جابر وهو الصحيح، وروى البخاري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من آتاه الله مالًا فلم يؤد زكاته، مثل له يوم القيامة شجاعًا أقرع، له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه – يعني بشدقيه – ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك. ثم تلا {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ} )) (٤) وفيه أيضًا عن أبي ذر قال: انتهيت إليه- يعني النبي صلى الله عليه وسلم - قال:((والذي نفسي بيده - أو الذي لا إله غيره، أو كما حلف - ما من رجل يكون له إبل أو بقر أو غنم لا يؤدي حقها، إلا أتى بها يوم القيامة أعظم ما تكون وأسمنه، تطؤه بأخفافها، وتنطحه بقرونها، كلما جازت أخراها ردت عليه أولاها، حتى يقضي الله بين الناس)) (٥) فدل دليل خطاب هذين الحديثين على صحة ما ذكرنا ".
(١) الجامع لأحكام القرآن. ج: ٨. ص: ١٢٥ وما بعدها (٢) تقدم إسناده ضمن أحاديث أبي ذر (٣) تقدم إسناده ضمن أحاديث أبي ذر. (٤) الآية رقم: (١٨٠) سورة آل عمران. (٥) تقدم إسناده ضمن أحاديث أبي ذر.