للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأورد ابن العربي في أحكام القرآن (١) عندما عرض لهذه الآية خمسة أوجه لتأويل الإنفاق، أهمها الوجه الرابع أن الإنفاق: وفاء الحقوق الواجبة العارضة في المال باختلاف الأحوال ما عدا الزكاة. ونقول: أهمها لأن الأوجه الأخرى التي أوردها وإن نقل بعضها عن بعض الصحابة أو التابعين لا تثبت عند التأمل والتمحيص وليس نقلها عمن أوثرت عنهم كافيًا لجعلها وجيهة وقد ذكرها غيره من المفسرين ومنهم الرازي فيما سبق وأشار إليها محمد الطاهر بن عاشور في عرضه البديع لوجوه تأويل الآية (٢)

قال رحمه الله: مسألة ثالثة في وصف المتقين مما يحقق معنى التقوى وصدق الإيمان من بدل عزيز على النفس في مرضاة الله لأن الإيمان لما كان مقره القلب ومترجمه اللسان كان محتاجا إلى دلائل صدق صاحبه وهي عظائم الأعمال من ذلك التزام آثاره في الغيبية الدالة عليه {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} (٣) ومن ذلك ملازمة فعل الصلوات، لأنها دليل عن تذكر المؤمن من آمن به. ومن ذلك السخاء ببذل المال للفقراء امتثالًا لأمر الله بذلك.

قلت: تأمل جيدًا قوله: امتثالًا لأمر الله بذلك.

ثم قال: والإنفاق إعطاء الرزق فيما يعود بالمنفعة على النفس والأهل والعيال ومن يرغب في صلته أو التقرب لله بالنفع له من طعام أو لباس وأريد به هنا بثه في نفع الفقراء وأهل الحاجة وتسديد نوائب المسلمين بقرينة المدح واقترانه بالإيمان والصلاة، فلا شك أنه هنا خصلة من خصلة الإيمان الكامل، وما هو إلا الإنفاق في سبيل الخير والمصالح العامة، إذ لا يمدح أحد بإنفاقه على نفسه وعياله إذ ذلك مما تدعوا إليه الجبلة فلا يعتني الدين بالتحريض عليه، فمن الإنفاق ما هو واجب وهو حق على صاحب الرزق للقرابة والمحاويج من الأمة ونوائب الأمة كتجهيز الجيوش كالزكاة وبعضه محدد وبعضه تفوضه المصلحة الشرعية الضرورية أو الحاجية ... إلخ.


(١) ج: ١. ص: ١٠.
(٢) التحرير والتنوير. ج: ١. ص: ٢٣٤ و٢٣٥.
(٣) الآية رقم ٣ البقرة.

<<  <  ج: ص:  >  >>