ثم قال في قوله تعالى:{وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}(١) فوائد أحدها: أدخل (من) التبعيضية صيانة لهم وكفى - لعل فيه خطأ مطبعيا صوابه: وكف - عن الإسراف والتبذير المنهي عنه، وثانيها: قدم مفعول الفعل دلالة على كونه أعلم كأنه قال: ويخصون بعض المال بالتصدق به، وثالثها: يدخل في الإنفاق المذكور في الآية الإنفاق الواجب والإنفاق المندوب. والإنفاق الواجب أقسام: أحدها: الزكاة , وهي قوله في آية الكنز {وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ}(٢)
قلت: في هذا التأويل نظر وسيأتي بعد قليل مزيد من البيان في شأنه.
ثم قال: وثانيها: الإنفاق على النفس وعلى من تجب عليه نفقته. وثالثها: الإنفاق في الجهاد. وأما الإنفاق المندوب فهو أيضًا إنفاق لقوله:{وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ}(٣)
قلت: لا يسلم له هذا التأويل، بل الأمر في هذه الآية للوجوب؛ لأنه جاء في مواجهة قول المنافقين الذي ذكره الله سبحانه وتعالى قبل هذه الآية:{هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ}(٤) ، والذين كانوا عند رسول الله يومئذ هم المهاجرون {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}(٥) والإنفاق عليهم كان يومئذ واجبًا متعينًا على كل من له فضل من وسائل العيش، ولم يكن مندوبًا إليه فحسب وقد نعرض لشيء من ذلك في مكانه من هذا البحث إن شاء الله.
ثم قال: فكل هذه الإنفاقات داخلة تحت الآية؛ لأن كل ذلك سبب لاستحقاق المدح.
قلت: يغفر الله للرازي، فليس ما في الآية مجرد مدح، وإنما هي تبيان للشروط والأوصاف التي لا يكمل الإيمان، ولا يكون مدعيه مؤمنًا حقا إلا بها وذلك ما يدل عليه وليس فيه دلالة على غيره دلالة لفظية غير قابلة للتأويل سياق الآية بما قبلها وما بعدها، فليتأمل.