للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولا مجال للقول إن النهي هنا كان عن التبذير في الإنفاق على الآخرين، لأن الموصوفين بأنهم إخوان الشياطين هم المبذرون كافة، سواء كان تبذيرهم على أنفسهم أو على غيرهم بدليل مدحه سبحانه وتعالى للمؤمنين بأنهم {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} (١) وآيات غيرها. ومن عجب أن أستاذنا - رحمه الله - أتبع قوله الذي نقلناه آنفًا بأن شرح (الباطل) في قوله سبحانه وتعالى: {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} بأنه ضد الحق وهو ما لم يشرعه الله ولا كان من إذن ربه، والباء فيه للملابسة، أفلا يرى - رحمه الله - أن التبذير والإسراف من الباطل؟ أو ليس الإدلاء بالمال إلى الحكام لأكل فريق من أموال الناس بالإثم كما ورد في الآية من سورة البقرة من أكل الأموال بالباطل؟ وهو يدلي الإنسان بالمال إلى الحكام لغرض باطل إذا لم يكن له في نفع توهمه، وهذا النفع لا يكون إلا ماليًا أو ما هو في معنى المال؟ وحتى لو فعل ذلك من أجل غيره أفلا يكون له من ورائه أي نفع وإن كان مجرد مصارحة أو قريبة أو ليس ذلك كله داخلًا في النهي عن أكل المال بالباطل وإذا كان الباطل جنسًا لما يقترف من الظلم أو الجور أو الخداع أو التبذير أو غير ذلك مما لم يأذن به الله؟ أفلا يكون النهى عنه دليلًا على أن الأموال المنهي أن تأكل به واحدة وحدته أي أنها من جنس واحد لانصباب النهي عنه عليها انصبابًا يشمل عمومها لا يخص منها جانبًا دون آخر.

لقد أفضنا شيئًا في هذا الشأن وظاهر ليس من صميم بحثنا لأن تحريره وتحقيقه يؤديان إلى إبراز حقيقة أن الإسلام يعتبر المال مهما تعدد المتصرفون فيه والمنتفعون به مالًا عامًا في حقيقته وجوهره يشمله حكم شرعي واحد في حقيقته وجوهره ومناطه كما يعتبر المسلمين على تعدد أفرادهم وألوانهم وشعوبهم مجتمعًا واحدًا يشملهم حكم شرعي واحد في حقيقته وجوهره ومناطه، وكل إخلال بوحدة المجتمع أو بوحدة المال العام يستوجب مواجهته بما يكفل إزالته وإعادة السلامة إلى الوحدة التي جاء الإسلام لإقامتها وتدعيمها وتأكيدها وصيانتها.


(١) الآية: (٢٦) سورة الفرقان.

<<  <  ج: ص:  >  >>