للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قلت: وقولهم بأن تتجروا ... إلخ مستدرك أيضًا، ولو كان كذلك لسقط الأمر بالرزق للسفهاء من دلالة هذه الآية إذا لم يكن لهم مال حصلوا عليه من إرث أو غيره، بل كان ذووهم من الفقراء، فلم يتركوا لهم شيئًا ولا وهبهم غيرهم شيئًا تطوعًا هبة تمليك أو وقف، وإذا لاحتيج إلى دليل آخر من غير هذه الآية على وجوب القيام بهم وإنقاذهم من الخصاصة والمسغبة، ونتيجة لذلك يصبح قوله تعالى: {الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} خاصًا بمن لديهم من طريق الإرث أو الاكتساب أو غيرهما من الطرق المشروعة أنصبة من المال، ويبقى الأمر برزق السفهاء معطلًا يبحث عن علة له تنيط الإلزام بالمأمورين به، وهذا اختلال في التعبير يأباه البيان المعجز لكتاب الله العزيز.

ونصير في مسارنا هذا إلى الآية الرابعة التي سبق أن ألمعنا إليها، وهي قوله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} ، ولا تختلف هذه الآية في ضميريها عن آية سورة البقرة {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ} . ولعل ذلك هو الذي صرف جمهرة المفسرين عن الوقوف في توجيه الضمير في (أموالكم) إلى المخاطبين جمعًا اكتفاء بما سبق أن قالوه في آية سورة البقرة إلا ما كان من وقفة لمحمد الطاهر بن عاشور (١) الذي قال: والضمير المرفوع بـ: (تأكل) والضمير المضاف إليه (أموال) راجعان إلى (الذين آمنوا) وظاهر أن المرء لا يُنهى عن أكل مال نفسه ولا يسمى انتفاعه بماله أكلًا، فالمعنى لا يأكل بعضهم مال بعض) .... إلخ.

قلت: سبحان الله، وكيف أن المرء لا يأكل مال نفسه، ولماذا كان الكسب والسعي وراءه إن لم يكن للأكل بمعناه العام الذي اتفقوا عليه وهو الإنفاق، ثم لعل أستاذنا - رحمه الله - نسي ما قاله في تفسير الآية الخامسة من هذه السورة نفسها ونقلناه عنه من وحدة مال الآمة تبعًا لوحدة مجتمعها باعتباره ثروة قومية بعد أن مضى به التفسير أشواطًا في أربع وعشرين آية فراح يقول:

(فالمعنى لا يأكل بعضهم مال بعض) هو أحسبه نسي أيضًا أنه حتى على أساس تبعيض المال والغفلة عن وحدة مال الأمة أو تجاهلها لا يصح تأويله هذا لأن المرء منهي عن التبذير والإسراف في إنفاق ماله نهيًا صريحًا في آيات شتى من القرآن الكريم، بل إن النهي وجه إلى المسلمين بواسطة توجيه الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أبعد الناس على التبذير والإسراف لمجرد تأكيد النهي تأكيدًا لا مزيد عنه، إذ قال الله سبحانه وتعالى: {وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} (٢)


(١) التحرير والتنوير. ج: ٥. ص: ٢٣.
(٢) الآية: (٢٦) سورة الإسراء.

<<  <  ج: ص:  >  >>