وقد نبه الحس اللغوي والبياني بعض المفسرين مثل الزمخشري والرازي إلى بعض هذا المعنى، ولكن سرعان ما قلصوا منه بتأويلاتهم القائمة على تبعيض المجتمع وتبعيض المال تبعًا له، وكان محمد الطاهر بن عاشور أقربهم إلى سداد الفهم، لولا أنه نسي في حديثه عن (في) موقعها من هذه الآية ما سبق أن قرره منذ قليل من معنى وحدة المجتمع ووحدة المال باعتباره ثروة قومية. ونقتصر على نقل كلامه، ففيه صفة ما قاله كل من الزمخشري والرازي.
قال رحمه الله (١) : ومعنى قوله: {وارزقوهم فيها واكسوهم} واقع موقع الاحتراس، أي: لا تؤتوهم الأموال إيتاء تصرف مطلق ولكن آتاهم إياها بمقدار انتفاعهم من نفقة وكسوة، ولذلك قال فقهاؤنا: تسلم للمحجور نفقته وكسوته إذا أمن عليها بحسب حاله وماله، وعدل عن تعدية (ارزقوهم) و (اكسوهم) بـ: (من) إلى تعديتها بـ: (في) للدلالة على الظرفية المجازية على طريقة الاستعمال في أمثاله حين لا يقصد التبعيض الموهم للانتفاض من ذات الشيء بل يراد أن جملة الشيء ما يحصل به الفعل تارة من عينه وتارة من ثمنه وتارة من نتاجه وأن ذلك يحصل مكررًا مستمرًا.
ثم قال: وهذا معنى بديع في الاستعمال لم يسبق إليه المفسرون هنا، فأهمل بعضهم التنبيه على وجه العدول إلى (في) ، واهتدى إليه صاحب الكشاف - قلت: والرازي بأوضح - بعض الاهتداء فقال: اجعلوها مكانًا لرزقكم بأن تتجروا فيها وتربحوا حتى تكون نفقتهم من الربح لا من صلب المال، فقوله: لا من صلب المال. مستدرك، ولو كان كما قال لاقتضى نهيًا عن الإنفاق من صلب المال.