وقد قلت: إن تأويله هذا ليس بشامل؛ لأن تبيانه للاعتبارات التي تجعل الأموال وإن كانت تحت تصرف الأفراد من مجموع الثروة القومية، لم يشمل جميع الاعتبارات والعوامل التي كنا نود لو أحاط بها، وأهمها أن وحدة الكيان الاجتماعي للمجتمع الإسلامي باعتباره كيانًا معنويًا متميزًا تقتضي وحدة الملكية جوهريا، لما يملكه أفراده من حيث إن ما يملكونه أجزاء أو عناصر لكيان ملكي واحد، كما أن المالكين لها أجزاء أو وحدات لكيان واحد، فتعدد المتصرفين وتعدد الأنصبة التي يتصرفون فيها لا يعنيان تعددًا في حقيقة الأمر لأولئك الأفراد ولا لتلك الأنصبة، وإنما يعنيان فحسب توزيعًا لمسؤولية التصرف وتبعته في شيء واحد بين أفراد يكونون وحدة، ولذلك فإساءة التصرف من فرد من الأفراد في النصيب الذي وكل إليه التصرف فيه تترتب عنها عواقب سيئة على مجموع الأنصبة التي تتكون منها الثروة القومية أو المال العام، وبرهان ذلك الأمر بالتحجير على السفيه، وإن كان قد جاوز سن الرشد ونهي غير السفيه عن التبذير وتحديد وجوه الإنفاق بحيث لا تكون إلا في ما هو مصلحة ذات مآل عام، وإن كانت في ظاهرها مصلحة فردية وتحديد طرائق الكسب والإنفاق بحيث لا يكون منها ما يضر وإن عن غير قصد بالمصلحة العامة مباشرة أو بها عن طريق الإضرار بمصلحة فرد أو أكثر؛ لأن الإضرار بمصلحة فرد أو أفراد يترتب عنه تلقائيًا الإضرار بالمصلحة العامة، وقد يتضح ذلك في بعض ما سنعرض له أثناء هذا البحث.
وبرهان آخر انتبهوا له بعض الانتباه، ولكن غفلوا عن دلالته في توجيه الآية، وهو قوله سبحانه وتعالى:{وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا} إذ التعبير بـ: (في) يؤكد وحدة المرزوق فيه، ويبعد كل ادعاء بتفرقه أو تعدده، ويوضح أن الأموال التي أمروا بأن يرزقوا السفهاء فيها ويكسوهم لها كيان واحد، وإن يكن ضمنها أموال من حصة أولئك السفهاء ونصيبهم في التوزيع الوظيفي بين أفراد المجتمع الإسلامي مجموع أمواله. فالآية تؤذن بأن وظيفة السفهاء في نصيبهم من تلك الأموال قد نقص منها جانب التصرف، وبقي جانب الاستهلاك نتيجة للاستحقاق المشروع المتوقف عليه ضمان بقائهم وكرامتهم، وكان التعبير بـ:(في) بدلًا من (من) برهانًا على استحقاق السفهاء رزقهم في المال العام، سواء كانت لهم فيها حصة نتيجة إرث أو غيره مما يجعل لهم استحقاقًا وظيفيًا فيه أو لم تكن، فالمال العام حسب تعبير الآية الكريمة كله مصدر لرزق السفهاء، كما هو مصدر لرزق غيرهم، والفارق الوحيد هو أن وظيفة غيرهم تتكون من التصرف للإنماء والاستهلاك، أما وظيفة السفهاء فتنحصر في الاستهلاك لعجزهم بالسفه عن القيام بالإنماء، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى:{الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} .