للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ثم قال: وأجرى على الأموال صفة تزيد إضافتها إلى المخاطبين وضوحًا، وهي قوله: {الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} ، فجاء في الصفة بموصول، إيماء إلى تعليل النهي وإيضاحًا لمعنى الإضافة.

ثم قال: وقرأه الجمهور: قيامًا، والقيام ما به يقوم المعاش، وهو واوي أيضًا، وعلى القراءتين، فالإخبار بالأموال إخبار بالمصدر للمبالغة على قول الخنساء:

فإنما هي إقبال وإدبار

هذا عجز بيت من قصيدة طويلة للخنساء تماضر بنت عمرو بن الحرث بن الشريد، ترثي بها أخاها صخرا، ولتوضيح معنى البيت نورد أبياتًا قبلها وبعدها من القصيدة كما وردت في ديوانها ص: ٤٢ وما بعدها، وكما وردت أبيات منها في العقد الفريد. ج: ٣. ص: ٢٦٧ و٢٦٨. ولا نلتزم بإحدى الروايتين، وإنما نقيم الواحدة بالأخرى حسب ما يرشدنا الذوق السليم ومطلع القصيدة:

قذى بعينيك أم بالعين عوار أم أقفرت إذ خلت من أهلها الدار

ومنها:

وما عجول على بوٍّ تطيف به لها حنينان إعلان وإسرار

ترعى إذا نسيت حتى إذا ذكرت فإنما هي إقبال وإدبار

لا تسمن الدهر في أرض وإن ركعت فإنما هي تحنان وتسجار

يوما بأوجد مني يوم فارقني صخر وللدهر إحلاء وإمرار

وهي من أروع ما عرفه الشعر العربي القديم من صادق الرثاء.

والمعنى أنها تقويم عظيم لأحوال الناس وقيل: قيمًا (١) جمع قيمة، أي: التي جعلها الله قيمًا، أي: أثمانًا للأشياء، وليس فيه إيذان بالمعنى الجليل المتقدم.

قلت: من الغريب أن المعنى الذي قرره في تفسير هذه الآية من دلالاتها على الشراكة العامة في الأموال للناس باعتبار المجتمع الإسلامي كيانًا معنويًا متميزًا على أن الأموال بهذا المعنى تمثل ثروة قومية وما إلى ذلك مما فصله تفصيلًا جيدًا وإن لم يكن شاملًا لم يتسن له فيما نقلناه عنه آنفًا من تفسيره لقوله سبحانه وتعالى: {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} ، فشتان بتفسيره لهذه الآية وتفسيره لتلك، مع أن دلالتهما في الحقيقة واحدة، والمناط فيهما واحد، يتبينه كل من أحسن التأمل.


(١) على قراءة ورش بياء مشددة بدون ألف.

<<  <  ج: ص:  >  >>