وهذا محمول على غناء النساء، وأما الرجال فغناؤهم مذموم أيضًا، بحيث إذا داوم أحد على فعله أو سماعه سقطت عدالته، لما فيه من إسقاط المروءة ومخالفة السلف، حكى عياض عن التميمي أنه قال: كنا عند مالك وأصحابه حوله فقال رجل من أهل نصيبين: يا أبا عبد الله، عندنا قوم يقال لهم الصوفية، يأكلون كثيرًا، ثم يأخذون في القصائد ثم يقومون فيرقصون؟ فقال مالك: أصبيان هم؟ قال: لا، قال: أمجانين هم؟ قال: لا، قوم مشائخ وغير ذلك عقلاء، فقال مالك: ما سمعت أحدًا من أهل الإسلام يفعل هذا.
انظر كيف أنكر مالك وهو إمام السنة أن يكون في أهل الإسلام من يفعل هذا إلا أن يكون مجنونًا أو صبيًا، فهذا بين أنه ليس من شأن الإسلام، ثم يقال: ولو جعلوه على جهة اللعب كما يفعله الصبي، لكان أخف عليهم مع ما فيه من إسقاط الحشمة وإذهاب المروءة، وترك هدي أهل الإسلام وأرباب العقول (١)
ولنتأمل في نص هذه الفتوى من إمام دار الهجرة ومن التعليق عليها الوارد في معيار الونشريسي في الغناء والرقص، ولنقف عند الغناء في أي مكان من الغناء المحتوي على الغزل والفجور صناعة الفساق وعد الرقص ولو من طرف من يفعلونه تقربًا إلى الله كالصوفية من البدع المنكرة، لنعرف على أي خطر سيقدم من يقيم حفلة فيها رقص وغناء في بيت من بيوت الله التي أذن أن ترفع ويذكر فيها اسمه، لأنه يمارس في المسجد الغناء وهو فعل الفساق، والرقص ذا التثني والانعطاف والمثير للشهوة وهو صورة مصغرة من الزنا إذا كان في شكله الغربي، ولا ضرورة تدعو لذلك حتى في غير المساجد، إذ الضرورة هي التي إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة يدل على فساد وفوت حياة وفي الآخرة فوت النجاة والنعيم. (٢)
وانطلاقًا من كل ذلك أُفتي بحرمة التجمعات المختلطة من الجنسين في المساجد إذا لم تراع فيها الآداب المطلوبة في الفقه الإسلامي من جلوس المرأة في قاع المسجد، وبحرمة ممارسة الرقص والغناء في المساجد وعد ذلك من أشد المنكرات المسقطة للعدالة والمذهبة للمروءة. والله أعلم.