ومن يدرس تاريخ النقود يعرف هذا تمامًا، لو أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بترك هذه النقود، واستخدام نقود إسلامية، لما حظيت بالقبول العام، يعني من يذهب إلى الشام من يذهب إلى اليمن، لا يستطيع أن يصرف هذه النقود. إذن النقود لها وظيفة وتعريفها وظيفي. فإذا قلنا بأن النقود في عصر التشريع لها أحكام كذا، والنقود قابلة للتطور والتغير، إذا لم تكن هذه الأحكام ثابتة للنقود في أي عصر من العصور فمعنى ذلك أنه إذا انتهى عصر الذهب والفضة انتهى عصر النقود، وانتهت الأحكام المتصلة بالنقود.
وأضرب هنا مثلاً، عندما كثر تزييف الدراهم في عهد سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه، فكر في أن يصنع نقودًا من الجلود ويترك الفضة ما دامت الدراهم كثر فيها التزييف، يترك هذا ويتخذ من جلود الإبل نقودًا، وكان له مجلس شورى كما تعرفون، فاستشار، فقالوا: إذن لا بعير؛ لأن الكل سيذبح ليأخذ الجلود ليتخذوا نقودًا، فأمسك، يعني توقف، لم يقولوا له بأن هذا لا يجوز؛ لأن النقود شرعًا من الفضة، وهو نفسه لو كانت النقود شرعًا لا بد أن تكون من الفضة لما فكر في هذا. إذن أحكام النقود ما لم تكن باقية إلى يوم القياة فإن الإسلام بأحكامه في النقود يكون لفترة زمنية ضيقة محدودة، وينتهي الربا، وتنتهي الزكاة، والسلم، رأس مال المضاربة، كلها أحكام النقود. أمر آخر هنا الإمام مالك عندما قال: لو أن الناس اتخذوا الجلود حتى يكون لها سكة وعين لكرهت (معناها التحريم) لكرهت أن تباع بالذهب والورق نظرة. هنا لو أن الناس معنى ذلك أن النقود مردها إلى الاصطلاح. وأثبتوا هذا في فصل كبير في الكتاب بأن النقود مردها إلى الاصطلاح، بأن النقود مردها إلى الاصطلاح، ما اصطلح الناس عليه أنه نقود فهو نقود. إذن هنا اتخذوا الجلود، الآن اتخذوا الأوراق.