للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

تاسعًا: انتهت الدراسة إلى القول بأن المؤسسات المالية الإسلامية المعاصرة تحتاج إلى المضاربة المطلقة للاستثمار الجماعي المنشود، ذلك لأنها تتميز بالمرونة والسعة وتتوفر فيها سائر الأسس والمبادئ التي تحتاج إليها المؤسسات المالية المعاصرة، وإضافة إلى ذلك، فإنها تعطي المضارب - سواء أكان فردًا أم جماعة ـ مجالًا واسعًا للتصرف والتحرك لتقليب الأموال، وفضلًا عن ذلك، فإنها تتسم بالانفتاح وعدم الانغلاق وتكاد أن تكون خلوًا من الشروط والضوابط المقيدة لحركة المضارب وتصرفاته، ولهذا، فليس هنالك مبرر علمي يقتضي العدول عن هذا المصطلح الفقهي القار المرن القادر على تلبية حاجات الاستثمار المالي المعاصر إلى مصطلح جديد ذي مشاكل وتساؤلات وأسس فكرية غير محررة ومشكوك فيها. إنه ليس ثم وجه علمي معتبر لإعطاء المضاربة الموسومة بالمشتركة بعض أحكام الإجارة المشتركة كالضمان وغيره، ذلك لأن أحكام الإجارة ـ خاصة ومشتركة ـ تختلف اختلافًا جذريًا عن أحكام المضاربة ـ عامة أو خاصة ومطلقة أو مقيدة ـ فالأجير المشترك أو الخاص يستحق ـ بلا خلاف ـ مقابل عمله أجرًا ثابتًا ومحددًا في بداية العقد، كما أن عقد الإيجار عقد على معاوضة على تمليك منفعة بعوض، وأما المضارب المطلق أو المقيد ـ وحتى المشترك ـ فإنه لا يستحق مقابل عمله أجرًا ثابتًا، ولكنه يستجق جزءًا من الربح، كما أن عقد المضاربة عقد شركة في الربح بمال من جانب رب المال وعمل من جانب المضارب، وهذا الربح ليس بأمر مضمون خلافًا للأجر الذي يستحقه الأجير، وبناء على هذا، فلا يصح إلحاق أحكام بعضهما ببعض.

عاشرًا: إن الحاجة اليوم تمس إلى إعادة النظر في معاني العديد من المصطلحات المرتبطة بالمضاربة وغيرها من المعاملات، وعلى رأسها مصطلح التعدي ومصطلح التقصير، فالمعاني المرادة منهما تتجدد بتجدد الأزمنة والأمكنة والأحوال والظروف، ذلك لأن ما كان يعتبر بالأمس القريب غير تعد وتقصير، غدا اليوم يعتبر تعديًا وتقصيرًا، وبناء على هذا، فإننا لا نرى حاجة إلى التوسع في الاختلاف حول مسألة ضمان المضارب ـ الخاص أو المشترك ـ وعدم ضمانه أموال المضاربة التي تودع عنده، وبدلًا من ذلك، ينبغي اللياذ بتجديد القول في معاني ومضامين هذين المصطلحين، فسوء التخطيط والإدارة والتنظيم والإشراف. يمكن اعتبار ذلك كله مندرجًا تحت معاني التعدي والتقصير في هذا العصر. . . وعليه، فعلى حاملي الهم التصحيحي لمسار الاقتصاد الوضعي وأسلمته، أن ينصرفوا إلى إعادة تأصيل معاني هذين المصطلحين وغيرهما في ضوء الواقع الذي تعيش فيه.

<<  <  ج: ص:  >  >>