للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأبدأ ببيان خطة بحث هذا الموضوع:

أ- العناية بمعالجة أمراض الشيخوخة وتوفير مستلزمات التطبيب لها بصورة تتاح لجميع المسنين حسب ظروفهم.

ينبغي في الساحة العربية والإسلامية كما هو موجود في البلاد الغربية العناية في كليات الطب البشري بدراسة اختصاص أمراض الشيخوخة، وإحداث عيادات المتخصصين فيها، وعناية الدولة والهيئات الاجتماعية فيها بمعالجة هذه الأمراض الكثيرة الظهور، من طريق تخصيص مراكز صحية خاصة بها، ومنتشرة في أماكن متعددة، ورفد هذه المراكز بالأطباء ودوامهم في ساعات معينة، ومنحهم الأدوية أو العلاجات المناسبة، أو التوجيه لرياضات معينة، ومعالجات فيزيائية متطورة، تسهم في تخفيف المرض أو استئصاله أو منع مضاعفاته، وفي ذلك خير كبير للأمة والمجتمع.

وتوجه شريعتنا السمحاء إلى هذه العناية بما يكفل الحياة الكريمة، لكل إنسان، شاب أو كهل أو شيخ هرم، من غير تمييز، لقول الله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: ١٩٥] . وقوله سبحانه في الوالدين: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء: ٢٣] . ومن المعلوم أن المعاملة الكريمة والإحسان يقضيان وجوب العمل السريع للإنقاذ، سواء فيما يتعلق بالطعام والشراب، أو العلاج والدواء، أو الإيواء والسكن، أو اللباس الساتر الملائم.

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( ((رغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر، فلم يدخلاه الجنة)) )) (١) . أي بالمعاملة الحسنة، وفي رواية أخرى: (( ((رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه: من أدرك أبويه عنده الكبر، أحدهما أو كليهما، ثم لم يدخل الجنة)) )) (٢) .

وما ينطبق على الوالدين ينطبق على غيرهما من الأقارب والأباعد الضعفاء، قال الله تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} [الكهف: ٢٨] .

وقال عليه الصلاة والسلام: (( ((إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم)) )) (٣) . وقال أيضًا: (( ((ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف شرف كبيرنا)) )) (٤) .

وقال أيضًا في حديث متقدم: (( ((ما أكرم شاب شيخًا لسنه، إلا قيض الله له من يكرمه عند سنه)) )) (٥) .

وقال كذلك: (( ((أنزلوا الناس منازلهم)) )) (٦) . ويأمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس بتقديم الأكبر سنًا بقوله: (( ((كبر كبر)) )) (٧) . أو (( ((الكُبْرَ الكُبْرَ)) )) وذلك سواء في الحديث أو المشاورة أو دفن الأموات، أو إمامة الصلاة وغيرها، ويقول صلى الله عليه وسلم في ترتيب صفوف الجماعة: (( ((ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) )) (٨) .

والتزم الصحابة الكرام هذا الأدب في منهاج التربية النبوية، فكانوا يقدمون الأكبر سنًا في القول أو الكلام، أو الإطعام أو الشرب، وفي غير ذلك.

كل ذلك يدل على التزام هذا الأدب الإسلامي الرفيع باحترام كبار السن وأهل الفضل والمعروف، في مختلف الأحوال والمواقف، ولاسيما وقت اشتداد الحاجة إلى المعونة الطبية التي تساعد على حفظ الجسد والصحة والحياة، وتحمي من الوقوع في الضرر وتفاقم المرض واشتداد البؤس والحاجة.

فجدير بالمسلمين والمسلمات في عصرنا وفي كل عصر رعاية هذا الأدب، حتى يكون المسنّون – بحسب ظروفهم وأوضاعهم – مثل غيرهم في الرعاية والعناية والاحترام، وتوفير الحاجات الغذائية والدوائية، بل والترفيهية؛ لأن كبار السن أحوج إلى هذا كله من غيرهم الذين ينهمكون في مشاغل الحياة، وتساعدهم صحتهم وقوة بنيتهم على تخطي الأزمات والمحن وظروف الحياة القاسية.


(١) أخرجه الترمذي والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه، وهو صحيح.
(٢) أخرجه أحمد ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(٣) أخرجه أبو داود عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وهو حديث حسن.
(٤) أخرجه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
(٥) أخرجه الترمذي وقال: حديث غريب، عن أنس بن مالك رضي الله عنه.
(٦) أخرجه أبو داود عن عائشة رضي الله عنها.
(٧) حديث متفق عليه، عن عبد الرحمن بن سهل رضي الله عنه.
(٨) أخرجه مسلم عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه.

<<  <  ج: ص:  >  >>