والقرينة التي اعتمدها علي رضي الله عنه في هذا الحكم الذكي البديع، هي اعتبار العدد المستخلص من القسمة التي لا يتعين غيرها في هذا الموقف، وما يدل عليه من أمارة، فلا سبيل إلى معرفة المقدار الذي أكله الأعرابي من خبز صاحب الثلاثة أرغفة، والذي أكله من خبز صاحب الخمسة أرغفة، والأعرابي دفع لهما ثمانية دراهم على عدد الأرغفة التي وجدها عندهما والتصور السليم أنه استهلك من مجموع الأرغفة استهلاكا متماثلا، أو غير قاصد إلى أرغفة هذا أو أرغفة ذاك، والاستنتاج الصحيح، ولا يصح أي استنتاج غيره، هو ما انتهى إليه علي رضي الله عنه من تقسيم الأرغفة إلى أربع وعشرون جزءا، وقسمتها إلى ثلاثة، فلا يكون لصاحب الأرغفة الثلاثة أكثر من درهم واحد، إذ لا يتصور أن يكون الأعرابي استهلك من أرغفة صاحب الثلاثة مثل ما استهلك من أرغفة صاحب الخمسة، بل المتصور أن يكون صاحب الأرغفة الثلاثة قد استهلك من أرغفة صاحب الخمسة، ومع هذا فلا يمكن الجزم بشيء، وحكم علي رضي الله عنه حكم بقرينة الأمارة، ولا سبيل إلى غيره.
وقد تكون رائحة الخمر أبرز الأمارات التي قضى بها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أوثق ما ورد في هذا الشأن، صنيع ابن مسعود - رضي الله عنه- في القصة التي رواها الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة: كان ابن مسعود بالشام، فقالوا: اقرأ علينا، فقرأ سورة يوسف، فقال رجل من القوم: ما هكذا أنزلت، فقال عبد الله: ويحك، والله قد قرأتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي:((أحسنت)) ، فبينا هو يراجعه، وجد منه ريح خمر، فقال عبد الله: أتشرب الرجس، وتكذب بالقرآن؟ لا أقوم حتى تجلد الحد، فجلد الحد