إذا صح هذا الأثر (١) ، فإن عليا رضي الله عنه- اتخذ من اختلاف كمية حليب المرأتين، وهو أمارة لا غير- قرينة اعتمدها في حكمه، وقد يتفق العلم الحديث مع علي في اعتبار هذا الاختلاف، وقد لا يتفق معه، لكن عليا على أية حال، اعتمده، والذي يعنينا من اعتمادنا له أنه رضي الله عنه- اعتبر الأمارة قرينة صالحة للاستدلال في الحكم عند فقدان أية بينة أو قرينة ترجحها.
ومنها ما نقله المزي (٢) من غير إسناد- عن أبي بكر بن عياش، قال:
عن عاصم، عن زر بن حبيش: جلس رجلان يتغذيان، مع أحدهما خمسة أرغفة، ومع الآخر ثلاثة أرغفة، فلما وضعا الغذاء بين أيديهما، مر بهما رجل، فسلم، فقال: اجلس للغذاء، فجلس وأكل معهما، واستووا في أكلهم الأرغفة الثمانية، فقام الرجل وطرح إليهما ثمانية دراهم، وقال: خذاها عوضا مما أكلت لكما ونلته من طعامكما، فتنازعا، فقال صاحب الأرغفة الخمسة: لي خمسة دراهم، ولك ثلاثة، وقال صاحب الأرغفة الثلاثة: لا أرضى إلا أن تكون الدراهم بيننا نصفين، فارتفعا إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فقصا عليه قصتهما، فقال لصاحب الثلاثة: قد عرض عليك صاحبك ما عرض وخبزه أكثر من خبزك، فارض بالثلاثة، فقال: والله لا رضيت منه إلا بمر الحق، فقال علي رضي الله عنه: ليس لك في مر الحق إلا درهم واحد وله سبعة دراهم، فقال الرجل: سبحان الله يا أمير المؤمنين، هو يعرض على ثلاثة، فلم أرض، وأشرت علي بأخذها، فلم أرض، وتقول الآن: إنه لا يجب لي في مر الحق إلا درهم؟ فقال له علي: عرض عليك صاحبك أن تأخذ الثلاثة صلحا، فقلت: لا أرضى إلا بمر الحق، ولا يجب لك في مر الحق إلا درهم، فقال له الرجل: فعرفني الوجه في مر الحق حتى أقبله، فقال علي: أليس للثمانية أرغفة أربعة وعشرون ثلثا أكلتموها وأنتم ثلاثة أنفس، ولا يعلم الأكثر منكم أكلا ولا الأقل، فتحملون في أكلكم على السواء؟ قال: بلى، قال: فأكلت أنت الثمانية أثلاث، وإنما لك تسعة أثلاث، وأكل صاحبك ثمانية أثلاث وله خمسة عشر ثلثا أكل منها ثمانية وبقى له سبعة، وأكل لك واحد من تسعة، فلك واحد بواحدك، وله سبعة، فقال الرجل: رضيت الآن.
(١) الاثر في غاية النكارة، فمن أين يصح؟ (مصحح المجمع) (٢) تهذيب الكمال، ج: ٢٠، ص: ٤٨٦- ٤٨٧، عند ترجمته لعلي بن أبي طالب، ت:٤٠٨٩.