وما نظن ابن عبد البر -رحمه الله- يبيح لنفسه أن يقارن فعل عائشة -رضي الله عنها -الناشيء عن شدة حبها لرسول الله صلى الله عليه وسلم وشدة غيرتها من شريكاتها أمهات المؤمنين _رضي الله عنهن- لاسيما من صفية، هذه الجديدة المتباهية عليهن- إن ثبت أنها صفية- بفعل سارق دفعه الجوع أو أي إغراء إلى سرقة ما لا تبلغ قيمته ثمن المجن، وما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم عقابه تغريمه مثلي ما سرق، فشتان بين الأمرين، سعي في سبيل الاستئثار بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمل أقل ما يوصف به أنه تصرف في مال الغير بغير حق، فكيف يكون الحكم في الأمرين واحد.
أما دعوى ابن عبد البر وغيره نسخ كلمة (مثليه) اعتمادا على قوله سبحانه وتعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ}(١) وقوله: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} فاحتجاج عجيب، فلو سلمنا أن كلمة (مثليه) منسوخة وحدها من حديث عبد الله بن عمرو دون سائر الحديث، فكيف يمكن النسخ بهاتين الآيتين، ذلك بأن سورة البقرة من أول ما نزل بعد الهجرة، وآية {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} نزلت في غزوة الحديبية حين منعت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من أداء العمرة (٢) . ونزلت سورة النحل أو جلها في مكة، ومن الآيات التي نزلت في المدينة على قول بعضهم، آية:{وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} قالوا: إنها نزلت بعد غزوة (أحد) حين هم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يثأر لحمزة -رضي الله عنه -من الذين مثلوا به من المشركين، والآيتان كلتاهما نزلتا قبل أن يتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية -رضي الله عنها- وقبل أن تكون عائشة - رضي الله عنها- قد بلغت أشدها واستوت، بحيث تقدم على البطش بصحفة بعثتها شريكتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف يستقيم القول بأن الآيتين، وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة بتعويض صحفة شريكتها بمثلها، نواسخ لكلمة في حديث عبد الله بن عمرو.
(١) البقرة: ١٩٤. (٢) انظر الواحدي – أسباب النزول، ص: ٨٨.