للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أما الضيف الذي استكره امرأة من البيت الذي أضافه، والعبيد الذين استكرهوا إماء من إماء الإمارة، فاحتمال عدم الاستكراه في الفريقين بعيد أو منعدم، بيد أنه أقل صعوبة أو استحالة من احتماله في المستكرهة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن القرينة التي درأت العقوبة عن هذين الفريقين، هي في التي استكرهها ضيفها، وقوع الاستكراه في بيت الإضافة، وما من شك في أنها لم تكن وحيدة كل الوقت في البيت، بل كان معها غيرها، لكن قد تكون وحيدة عند الاستكراه، أو ادعاء الاستكراه، فرجح الاستكراه لأبي بكر، فدرأ عنها الحد. أما إماء الإمارة، فيكاد يكون مستحيلاً أن يسلمن أنفسهن جميعاً لأولئك العبيد، ثم يدعين الاستكراه، إلا في حال تصور مؤامرة جماعية بين أولئك العبيد وأولئك الإماء، وهو تصور غير مستحيل، إلا إذا اعتبرنا أثر الخوف من عمر - رضي الله عنه – في نفوس الجميع، فضلا عن إماء وأعْبُد الإمارة، فالقرينة التي درأت العقوبة عنهن هي ما اطمأن إليه عمر من صحة الادعاء، واستحالة أو بعد أي احتمال غيره.

وفي هذه الأحوال الثلاث، يكون درء الحدود بالشبهات عاملاً أساسياً في نجاة الفرقاء الثلاث من العقوبة، ولا كذلك اليمانية التي اعترفت بأنها بذلت نفسها مختارة اختياراً جزئياً بسبب الحاجة، فثبوت الحاجة بشهادة رفقتها الذين صدقوها في دعواها، خففت عنها الحد، فنقلته من الرجم إلى الجلد، لأنها لم تكن بكراً، فيكون حدها الجلد، وآية ذلك أنها لم تدع الافتراع، ولا شهد ببكارتها رفقتها، بيد أن عمر – رضي الله عنه- رأى في حاجتها التي ألجأتها إلى ابتذال نفسها قرينة اعتبرها في تحويل عقوبة الرجم إلى عقوبة الجلد. وفي تصرفه هذا – رضي الله عنه – قاعدة جليلة يتعين اعتبارها، وهي اعتبار حال من تثبت إدانته بجريمة من جرائم الدرجة الأولى، وهي جرائم الحدود، وتحكيمها في تعيين نوع الحد الذي يعاقب به، فإذا اعتبرنا الثيب محصنة، فإن تحويل عمر حد الرجم إلى حد الجلد في عقابه لها، إقرار لهذه القاعدة الجليلة التي يتعين اعتبارها.

<<  <  ج: ص:  >  >>